عنوان الفتوى: كيف يدفع الإنسان الحسد من نفسه

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

هل إذا رأيت شيئاً ،وقلت كلمة أو دارت في خاطري، ثم أتبعتها ب( ماشاء الله، لا قوة إلا بالله، تبارك الله أحسن الخالقين) تبطل العين؟ أو قد يردُّ ما كان مني ، مع العلم أني لا أتمنى الأذى له ، ولا أتمنى حدوث أي مكروه أو ضرر ، فالشيطان كثيراً ما يوسوس لي في هذا الجانب مما يجعلني في حال نفسية مزعجة خوفاً من أنني عِنْتُ، وما يحصل لي ذنب فيه؟

نص الجواب

رقم الفتوى

2986

03-يناير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 فجزاك الله خيراً أيتها الأخت الكريمة على سؤالك، وزادك حرصاً، وبارك فيك ،

واعلمي حفظك الله أن العين حق ، والمراد بالعين مايقع على الإنسان بسبب العين ، أي بسبب نظر إنسان لآخر على وجه الحسد. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري : والعين نظر باستحسانٍ مَشُوبٍ بِحسد من خبيث الطبع يحصل للمنظور منه ضرر.اهـ

روى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (العين حق ، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا) 

وقد اختلف العلماء في تفسير الأثر المترتب على العين ، وأظهرها ما حكاه الحافظ ابن حجر، قال رحمه الله تعالى في الفتح: قال المازري : زعم بعض الطبائعيين أن العائن ينبعث من عينه قوة سُمِّيَّةٌ تتصل بالمعين فيهلك أو يفسد وهو كإصابة السم من نظر الأفاعي، وأشار إلى منع الحصر في ذلك مع تجويزه، وأن الذي يتمشى على طريقة أهل السنة أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها الله تعالى أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص لآخر. اهـ قلت أي مع صحة التخلف وعدم تأثير احدهما في الآخر البته. 

ولما كان أثر العين متحققاً بإذن الله تعالى ، والإصابة بها ثابتة شرعا وموجودة ، ولها تأثير في النفوس ، أمر الله تعالى بالوقاية من الحسد ، حتى لا يقع فنتجشم أمر علاجه ، وذلك بأن يذكر الإنسان اسم الله وأن يدعو بالبركة ، عندما يرى نعمة أنعمها الله على أحد من الخلق ، فإن هذا يدفع شر العين عن المَعِين ، وعن النعمة التي رآها أيضاً ، قال تعالى : {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ... } الآية : 39 ـ سورة الكهف

 إذ قد يقع الحسد من الإنسان بغير تعمد أو قصد له ، وقد يقع هذا من بعض الأخيار ، فأمر بالدعاء بالبركة صيانة للنعم من إذهابها بالحسد ، وإدامة للمحبة ببركة ذكر الله والدعاء لصاحب النعمة بالخير

قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم: قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَوْ كَانَ شَيْء سَابِق الْقَدَر سَبَقَتْهُ الْعَيْن )

فِيهِ إِثْبَات الْقَدَر ، وَهُوَ حَقّ ، بِالنُّصُوصِ وَإِجْمَاع أَهْل السُّنَّة ... وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَشْيَاء كُلّهَا بِقَدَرِ اللَّه تَعَالَى ، وَلَا تَقَع إِلَّا عَلَى حَسَب مَا قَدَّرَهَا اللَّه تَعَالَى ، وَسَبَقَ بِهَا عِلْمه ، فَلَا يَقَع ضَرَر الْعَيْن وَلَا غَيْره مِنْ الْخَيْر وَالشَّرّ إِلَّا بِقَدَرِ اللَّه تَعَالَى . وَفِيهِ صِحَّة أَمْر الْعَيْن ؛ وَأَنَّهَا قَوِيَّة الضَّرَر . وَاللَّهُ أَعْلَم .اهـ

وروى أبويعلى والحاكم عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا رأى أحدكم من نفسه وأخيه ما يعجبه فليدع بالبركة فإن العين حق ) وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بذكر البركة . وأقرَّه الذهبي 

روى البيهقي في شعب الإيمان، والطبراني في الأوسط والصغير، وفي سنده ضعف ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما أنعم الله على عبد من نعمة من أهل أو مال أو ولد ، فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، فيرى فيه آفة دون الموت ) 

وروى البزار في مسنده،وأورده البيهقي في شعب الإيمان، وسنده ضعيف أيضاً، عن أنس رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من رأى شيئا يعجبه ، فقال : ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره ) 

وروى ابن السني في عمل اليوم والليلة بإسناد فيه ضعف،عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، عن أبيه ، رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما يمنع أحدكم إذا رأى من أخيه ما يعجبه في نفسه أو ماله ، فليبرك عليه ؛ فإن العين حق )

وهذه الثلاثة الأخيرة وإن كان فيها ضعف ، فبعضها يشد بعضاً ، ويعضدها الحديث الأول ، والعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال جائز كالدعاء والذكر ونحوهما

ومما يعين الحاسد على دفع الحسد أن يرضى بالله وأن يقنع بقسمه ، وأن يعلم أن عدم رضاه بالنعمة لغيره هو جحود لحكم الله في الخلق ، كما قال القائل:

                  ألا قل لمن ظلَّ لي حاسداً        أتدري على من أســأت الأدب

                  أسأت على الله في حكمه         إذا أنت لم ترض لي ما وهب  

فإذا نفذ أثر العين إلى المعين بإذن الله ، فيُشرع للمعين أن يُعَالَج من الحسد ، ومن العلاج ما شرعه الله تعالى من الرقية للذي يصاب بالعين لما يترتب عليها من آثار سيئة وأضرار بسبب الحسد.

وقد سبق الحديث عن الرقية الشرعية وصفتها في الفتوى رقم (703) على موقعنا .

كما أمر الشرع بالوضوء لهذا الأمر ، أي يتوضأ العائن ويصب ماء وضوئه على المعين ، كما في حديث سهل بن حنيف لما أصيب بالعين عند اغتساله، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عائنه أن يتوضأ .

فقد روى مالك في الموطأ عن أبي أمامة بن سهل حنيف ، قال : اغْتَسَلَ أَبِي سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ بِالْخَرَّارِ فَنَزَعَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ يَنْظُرُ قَالَ : وَكَانَ سَهْلٌ رَجُلًا أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِلْدِ . قَالَ :فَقَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ : مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ عَذْرَاءَ. قَالَ: فَوُعِكَ سَهْلٌ مَكَانَهُ وَاشْتَدَّ وَعْكُهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُخْبِرَ أَنَّ سَهْلًا وُعِكَ وَأَنَّهُ غَيْرُ رَائِحٍ مَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ سَهْلٌ بِالَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِ عَامِرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ ، أَلَّا بَرَّكْتَ، إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ، تَوَضَّأْ لَهُ ) فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِرٌ ، فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ .

وفي لفظ النسائي : (على ما يقتل أحدكم أخاه إذا رأى ما يعجبه فليدع بالبركة) 

وصفة وضوء العائن عند العلماء أن يؤتى بقدح ماء ، ولا يوضع القدح في الأرض ، فيأخذ منه غرفة فيتمضمض بها ، ثم يمجها في القدح ، ثم يأخذ منه ماء يغسل وجهه ، ثم يأخذ بشماله ماء يغسل به كفه اليمنى ، ثم بيمينه ماء يغسل به مرفقه الأيسر ، ولا يغسل ما بين المرفقين والكعبين ، ثم يغسل قدمه اليمنى ، ثم اليسرى على الصفة المتقدمة ، وكل ذلك في القدح ، ثم داخلة إزاره ، وهو الطرف المتدلي الذي يلي حقوه الأيمن ، فإذا استكمل هذا صبه من خلفه على رأسه

قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم عن اغتسال العائن وصبِّ ماء غسله على المعين : وهذا المعنى لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه ، وليس في قوة العقل الاطلاع على أسرار جميع المعلومات ، فلا يدفع هذا بألا يعقل معناه أهـ . أي لأن العقل قاصر عن ادراك الغيبيات بنفسه اهـ

وعليه فيا أختي الكريمة ، يكفيك لدفع هذا عن نفسك أن تذكري الله تعالى ، وأن تدعي بالبركة لصاحب النعمة ، فإن هذا يرد الحسد حتى وإن كان غير مقصود، وتعوذي بالله من الشيطان الرجيم حتى يكفيك شره ، والله أعلم.

 

 

  • والخلاصة

    العين حق ، وقد أمر الله تعالى بالوقاية من الحسد ، حتى لا يقع فنتجشم أمر علاجه ، وذلك بأن يذكر الإنسان اسم الله وأن يدعو بالبركة ، عندما يرى نعمة أنعمها الله على أحد من الخلق ، فإن هذا يدفع شر الحسد، إذ قد يقع الحسد من الإنسان بغير تعمد أو قصد له ، ومما يعين الحاسد على دفع الحسد أن يرضى بالله وأن يقنع بقسمه، فإذا وقع الحسد بإذن الله فللمحسود أن يطلب العلاج بالرقية أو بصبِّ ماء غسل العائن عليه .