عنوان الفتوى: الهبة لبعض الورثة

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

  نحن ثلاث بنات وأمنا لديها بيت قامت بكتابته بأسمائنا بالتساوي بعقد في المحكمة بيع وشراء وذلك في حياتها وهي الآن ما تزال على قيد الحياة، فهل هذا يجوز ؟ أم هو تحايل على الشرع ؟ وهل إذا كان فيه حرمة نستطيع أن نتفق مع أمي على مبلغ بسيط نسبياً - كوننا متزوجات و لا نملك شيئاً - ونقوم بدفع هذا المبلغ بالتقسيط كل شهر دفعة ؟ وهل يمكن أن نتفق مع أمي مع العلم أن أمي معارضة لفكرة الدفع تماماً رغم حاجتها للمال المختصر ؟  وهل على أمي إثم من حرمانها الورثة الآخرين حصتهم بالبيت وهي لا تقصد حرمانهم وإنما تأمين مستقبلنا ؟ وهل هذا من ملكها تستطيع التصرف به كما تشاء ؟

نص الجواب

رقم الفتوى

2906

27-ديسمبر-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

  فيا أختي السائلة الكريمة بارك الله بك وجزاك الله خيراً: 

فيجوز أن يتصرف الإنسان بماله مالم يفقد الأهلية كجنون ونحوه، ولكن ينبغي أن يكون تصرف المسلم في ماله منضبطاً بأحكام الشرع، ومن ذلك العدل بين الأبناء، فإن المفاضلة بينهم لغير سبب مكروهة، ودليل الكراهة ما ثبت في صحيح البخاري عن النُّعْمَان بْن بَشِيرٍ قال: أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً، فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لاَ أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَال: ( أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا ؟ ) . قَال: لا، قَال :  ( فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ ) . قَال: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ.

وفي رواية لمسلم قال: ( فأشهد على هذا غيري )، ثم قال: أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: بلى. قال:(  فلا إذن ). وفي لفظ:( فلا تشهدني فإني لا أشهد على جور ). رواه البخاري ومسلم

قال العلامة الدردير المالكي في الشرح الصغير: ( وَأَمَّا هِبَةُ الرَّجُلِ لِبَعْضِ وَلَدِهِ مَالَهُ كُلَّهُ أَوْ جُلَّهُ فَمَكْرُوهٌ اتِّفَاقًا، وَكَذَا يُكْرَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَالَهُ كُلَّهُ لِأَوْلَادِهِ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ إنْ كَانُوا ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَإِنْ قَسَمَهُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ فَذَلِكَ جَائِزٌ ).

وترك العدل بين الأبناء يورث الضغائن والحقد بينهم، ويصرف قلوب المحرومين عن البر بأبيهم، وقد أخبرنا الله تعالى في آية المواريث بأنَّا لا ندري في أي أولادنا الخير، يقول تعالى: { آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً } [ النساء : 11 ].

وينبغي ألا يقصد بهذا التصرف حرمان الورثة من نصيبهم؛ إذ التركة حقهم الذي فرضه الله سبحانه لهم، قال تعالى: {  لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا }. [ النساء : 7 ].

وقد جاء في عمدة القاري لبدر الدين العيني عن محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة رحمهما الله قال: ليس من أخلاق المؤمنين الفرار من أحكام الله بالحيل الموصلة إلى إبطال الحق.

والبر بالآباء والأمهات يوجب على الأبناء احترام والديهم، والحفاظ على تماسك الأسرة، وعدم حل المشكلة عن طريق المحاكم، وإنه ليس من البر اتهام الابن لأبيه بالجنون أو بالسفه من أجل المال! فلو كسب البر بالرضا لحصل على الخير الكثير.

إذن فلا مانع شرعاً أن يعطي الأب أو الأم لأولاده أو لغيرهم من الأقارب أو الأجانب ماله كله أو بعضه سواء كان على سبيل الهبة أو الصدقة ما دام أهلاً للتصرف، والذي ظهر لنا أن هذه الأم أجرت عقد بيع بينها وبين بناتها الثلاث ثم أبرأتهن من الثمن لأن المعروف في دائرة العقارات أنه لا يتم نقل العقار بصورة البيع إلا بعد تحديد الثمن وقبول البائع والمشتري وتصرف الأم بهذه الصورة صحيح شرعاً ولا إثم عليها في ذلك، ومن ملك هذا العقار بهذه الصورة فملكه صحيح ولا إثم عليه في ذلك. والله أعلم

  • والخلاصة

     يجوز للوالدة أو الوالد أن يبيع حقه لأولاده حال حياته ثم يبرؤهم من الثمن، وأن ذلك لا يعتبر ميراثاً، وأن من باع بهذه الصورة فالبيع صحيح ولا إثم فيه، ومن ملك هذا المبيع بهذه الصورة فملكه صحيح ولا إثم عليه فيه. والله أعلم