عنوان الفتوى: آداب ليلة الزفاف

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ما هي آداب ليلة الزفاف في الشريعة الاسلامية؟

نص الجواب

رقم الفتوى

2899

31-يناير-2009

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فاعلم حفظك الله أنَّ الحياة الزوجية تقوم أساساً على المودة والرحمة، فالزواج آية عظيمة من آيات الله تعالى؛ قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [الروم: 21].

ففي ظله تلتقي النفوس على المودة والرحمة والحصانة والطهر وكريم العيش والستر، وتتشابك الأسر والعائلات على رباط المحبة والألفة والمصاهرة، وفي كنفه تنشأ الطفولة وترتبط النفوس بالنفوس وتتعانق القلوب بالقلوب، فالزواج هو إنشاء لأسرة مسلمة وإقامة لَبنة في بناء المجتمع المسلم، ولما كانت كل هذه المعاني في الزواج إذ نحن مُتَعَبَّدُون به لله تعالى، أمرنا الله تعالى أن نحسن البدء به حيث نبدأ بناء هذا البيت المسلم على وفق ما أمرنا الله به، لا أن نبدأ حياتنا بالمعاصي.

ولأنه زواج وفيه يجتمع الأهل والأحباب فيستحب أن يُعلن النكاح ويُضرب عليه بالدف؛ لما روى أحمد والنسائي بسندٍ حسنٍ عن محمد بن حاطب الجمحي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح).

 ولا بأس بالإنشاد والغزل في العرس نقل ذلك عن الإمام أحمد، ولكن يكون هذا دون اختلاط بين الرجال والنساء؛ لما روى أحمد بسندٍ حسنٍ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ: "(أَهَدَيْتُمْ الْجَارِيَةَ إِلَى بَيْتِهَا) قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلَّا بَعَثْتُمْ مَعَهُمْ مَنْ يُغَنِّيهِمْ يَقُولُ أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحَيُّونَا نُحَييكُمْ، فَإِنَّ الْأَنْصَارَ قَوْمٌ فِيهِمْ غَزَلٌ)".

ويستحب كما عند المالكية وهو الأصح عند الشافعية للعروس أن يصنع وليمة لأهله وإخوانه وأحبابه وأقاربه؛ لما في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال لعبدالرحمن بن عوفٍ رضي الله عنه لما تزوج: (بَارَكَ اللَّهُ لَكَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ).

قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم : "والأصح عند أصحابنا أنها سنة مستحبة، ويحملون هذا الأمر في هذا الحديث على الندب، وبه قال مالك وغيره "اهـ.

ومن حقِّ العروسين على المهنئين الدعاء لهم بالمأثور من قوله عليه السلام للمتزوج : "بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير ". 

ثم إذا دخل الرجل على عروسه يُسَنُّ له أن يأخذ بناصيتها، وأن يدعو بالبركة وأن يقول كما ورد في الحديث الذي رواه ابن ماجة بسندٍ حسنٍ عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِذَا أَفَادَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً أَوْ خَادِمًا أَوْ دَابَّةً فَلْيَأْخُذْ بِنَاصِيَتِهَا وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهَا وَخَيْرِ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ ).

ويسنُّ أن يصلي معها ركعتين، ويدعو بالمأثور؛ كما روى عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيحٍ عن أبي وائل قال جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: إني تزوجت امرأة، وإني أخاف أن تفركني، فقال عبد الله: إنَّ الالف من الله، وإن الفرك من الشيطان، ليكره إليه ما أحل الله، فإذا أدخلت عليك فمرها فلتصل خلفك ركعتين، قال الاعمش: فذكرته لابراهيم، قال: وقال عبد الله: وقل: اللهمَّ بارك لي في أهلي، وبارك لهم فيَّ، وارزقني منهم، وارزقهم مني، اللهمَّ اجمع بيننا ما جمعت إلى خير، وفرق بيننا إذا فرقت إلى خير. 

ولا بدَّ لكل من الزوجين أن يعرف حقوق الآخر عليه، وما يحب وما يكره، ليتمكن من أداءه لصاحبه، وهذا أعون على أن تستقر الحياة الزوجية فيما بعد، قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف}[البقرة:228]. 

فإذا أراد الجماع، فعليه الالتزام بالآداب التي حث عليها الإسلام في هذا الجانب، ومنها:

1- التطيب قبل الجماع: ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيطوف على نسائه، ثم يصبح محرماً ينضح طيباً. 

2- ويُسَنُّ عند الجماع أن يُسَمِّ الله ويقول ما ورد في الصحيحين عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم: ( لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبداً). وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى : { وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ } قال: يقول: " باسم الله"، التسمية عند الجماع. 

3- ملاعبة الزوجة قبل الجماع لتنهض شهوتها، فتنال من اللذة ما ينال، وليحذر الزوج أن يأتي أهله بدون مقدمات يحصل بها الأنس والتفاعل بينه وبين زوجته كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم لجابر بقوله "هَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ أَوْ تُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ" أخرجه البخاري

4- أما كيفيات الجماع الجائزة، فالجماع لا يجوز إلا في الفرج الذي هو موضع الولادة والحرث، سواء جامعها فيه من الأمام أو من الخلف. روى البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول فنزلت: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) [البقرة:223].    

5- إذا قضى الزوج إربه، فلا ينزع حتى تقضي الزوجة إربها. 

6- يحرم وطؤها وهي حائض: روى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها، أو كاهناً، فقد كفر بما أنزل على محمد).

وللمزيد عن الإتيان في الحيض يرجى مطالعة الفتوى رقم (168)على موقعنا .

7- يحرم أيضاً وطؤها في الدبر لما روى أبو داود في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ملعون من أتى امرأة في دبرها ).

وللمزيد عن الإتيان في الدبر يرجى مطالعة الفتوى رقم (293)على موقعنا . 

8- يحرم إفشاء ما بين الزوجين مما يتصل بالمعاشرة، لما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها).

9- وجوب الغسل من الجماع ولو لم ينزل؛ لما روى مسلم عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها، فقد وجب عليه الغسل، وإن لم ينزل) وعند مسلم أيضاً: (إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان، فقد وجب الغسل). 

ولا ننسى أن نُذَكِّر الأخ السائل بأنه إذا التزم الإنسان هذه الآداب مع غضِّ بصره عن الحرام، واستشعار نعمة الله عليه في تيسير الزواج له، واستحضار نية إعفاف أهله، ووقايتهم من الحرام تحقق له مراده في الإشباع الجنسي له ولأهله.

كما ينبغي أن يعلم كل عروس أن الزواج لا ينبغي أن يعين على الغفلة والكسل عن حضور صلاة الجماعة، فليس دخول المرء بزوجته من الأعذار التي تبيح له التخلف عن صلاة الجماعة على الصحيح من أقوال أهل العلم.

قال الإمام الباجي رحمه الله في المنتقى شرح الموطأ: "(روى في العتبية ابن القاسم عن مالك: لا يتخلف (أي العريس) عنها (يعني الجماعة) ورخص بعض أهل العلم في عدم الخروج إلى الجماعة إذا كان يخشى على زوجته، وخصه آخرون بصلاة الليل "اهـ، والله تعالى أعلم.

 

 

  • والخلاصة

    الحياة الزوجية تقوم أساساً على المودة والرحمة ، فالزواج آية عظيمة من آيات الله تعالى، ويستحب أن يُعلن النكاح ويُضرب عليه بالدف، ولا بأس بالإنشاد والغزل في العرس نقل ذلك عن الإمام أحمد، ويستحب كما عند المالكية وهو الأصح عند الشافعية للعروس أن يصنع وليمة، ويستحب تهنئة العروسين والدعاء لهما بالبركة، ويُسَنُّ له إذا دخل على عروسه أن يأخذ بناصيتها، وأن يدعو بالبركة، ويصلي بها ركعتين، فإذا أراد الجماع، فعليه الالتزام بالآداب التي حث عليها الإسلام في هذا الجانب كما ذكرناها، والله الموفق .