عنوان الفتوى: من أحكام الغيبة

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

سؤالي هو : عندما أكون متضايقة من شخص ، أذهب عند صديقاتي وأشتكي منه، و لكن بدون أن أذكر اسم الشخص أو أي شيء يدل على هوية هذا الشخص ، فقط : أقول في شخص ، فهل هذا يعتبر من الغيبة ؟

نص الجواب

رقم الفتوى

2871

31-ديسمبر-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فاعلمي حفظك الله أن الغيبة محرمة بإجماع الأمة على ذلك قال سبحانه وتعالى :"{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ }الحجرات12 . ولكن هناك أمور أباح العلماء فيها الغيبة ، وقد جمعها الإمام النووي في كتابه رياض الصالحين ، وهذا نصه : اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها ، وهو ستة أسباب : الأول : التظلم ، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية ، أو قدرة على إنصافه من ظالمه ، فيقول : ظلمني فلان بكذا .

الثاني : الاستعانة على تغيير المنكر ، ورد العاصي إلى الصواب ، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر : فلان يعمل كذا ، فازجره عنه ونحو ذلك ويكون مقصوده التوصل إلى إزالة المنكر ، فإن لم يقصد ذلك كان حراما .

الثالث : الاستفتاء ، فيقول للمفتي : ظلمني أبي أو أخي ، أو زوجي ، أو فلان بكذا فهل له ذلك ؟ وما طريقي في الخلاص منه ، وتحصيل حقي ، ودفع الظلم ؟ ونحو ذلك ، فهذا جائز للحاجة ، ولكن الأحوط والأفضل أن يقول : ما تقول في رجل أو شخص ، أو زوج ، كان من أمره كذا ؟ فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين ، ومع ذلك ، فالتعيين جائز كما سنذكره في حديث هند إن شاء الله تعالى .

الرابع : تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم ، وذلك من وجوه :

منها جرح المجروحين من الرواة والشهود وذلك جائز بإجماع المسلمين ، بل واجب للحاجة .

ومنها : المشاورة في مصاهرة إنسان أو مشاركته ، أو إيداعه ، أو معاملته ، أو غير ذلك ، أو مجاورته ، ويجب على المشاور أن لا يخفي حاله ، بل يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة .

ومنها : إذا رأى متفقهاً يتردد إلى مبتدع ، أو فاسق يأخذ عنه العلم ، وخاف أن يتضرر المتفقه بذلك ، فعليه نصيحته ببيان حاله ، بشرط أن يقصد النصيحة ، وهذا مما يغلط فيه . وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد ، ويلبس الشيطان عليه ذلك ، ويخيل إليه أنه نصيحة فليتفطن لذلك.

ومنها : أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها : إما بأن لا يكون صالحاً لها ، وإما بأن يكون فاسقا ، أو مغفلاً ، ونحو ذلك فيجب ذكر ذلك لمن له عليه ولاية عامة ليزيله ، ويولي من يصلح ، أو يعلم ذلك منه ليعامله بمقتضى حاله ، ولا يغتر به ، وأن يسعى في أن يحثه على الاستقامة أو يستبدل به .

الخامس : أن يكون مجاهرا بفسقه أو بدعته كالمجاهر بشرب الخمر ، ومصادرة الناس ، وأخذ المكس، وجباية الأموال ظلماً ، وتولي الأمور الباطلة ، فيجوز ذكره بما يجاهر به ، ويحرم ذكره بغيره من العيوب، إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه . 

السادس : التعريف ، فإذا كان الإنسان معروفاً بلقب ، كالأعمش ، والأعرج ، والأصم ، والأعمى ، والأحول، وغيرهم جاز تعريفهم بذلك ، ويحرم إطلاقه على جهة التنقيص ، ولو أمكن تعريفه بغير ذلك كان أولى ، فهذه ستة أسباب ذكرها العلماء وأكثرها مجمع عليه ، ودلائلها من الأحاديث الصحيحة مشهورة . فمن ذلك :

عن عائشة رضي الله عنها : أن رجلا استأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : (( ائذنوا له ، بئس أخو العشيرة ؟ )) . متفق عليه .احتج به البخاري في جواز غيبة أهل الفساد وأهل الريب . 

فالظاهر ـ والله أعلم ـ أن ذكرك للشخص المُعاب عليه دون ذكر اسمه ليس من الغيبة ، ما لم يستدل على عينه ، بأن تكون عينه معروفة عند السامع ، كأن تحكين عنه موقفاً وقد شهدوه وعلموا اسمه أو عينه ،

 ولكن ينبغي أختي الكريمة للإنسان أن يصون لسانه عن كل كلام لا نفع فيه ، وحاصل ما في سبِّ من جاز سبُّه أو غيبته أن الخوض في هذا مما يُقسِي القلب ويشغل العبد عما هو أفضل في حقه ، والعبد مأمور بحفظ لسانه على كل حال ، قال الإمام النووي في رياض الصالحين :اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاماً ظهرت فيه المصلحة ، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة ، فالسنة الإمساك عنه ، لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه ، وذلك كثير في العادة ، والسلامة لا يعدلها شيء .

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت )) متفق عليه .

وهذا صريح في أنه ينبغي أن لا يتكلم إلا إذا كان الكلام خيراً ، وهو الذي ظهرت مصلحته ، ومتى شك في ظهور المصلحة ، فلا يتكلم...وأمر من سمع غيبة محرمة بردها والإنكار على قائلها فإن عجز أو لم يقبل منه فارق ذلك المجلس إن أمكنه.

قال الله تعالى : { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه } [ القصص : 55 ]

 ويغنيك أختي الكريمة في إذهاب هذا الضيق من صدرك ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن والاستغفار ، والدعاء  بالخير لمن كان سبباً في مضايقتك ، وشهود مجالس الخير ، والله أعلم .

  • والخلاصة

    غيبة من لا يعرف اسمه ، ولا يستدلُّ على عينه ، لا تدخل في الغيبة المحرمة، والأولى بالمسلم أن يصون لسانه عن كل كلام لا نفع فيه ، وحاصل ما في سبِّ من جاز سبُّه أو غيبته أن الخوض في هذا مما يُقسِي القلب ويشغل العبد عما هو أفضل في حقه ، والعبد مأمور بحفظ لسانه على كل حال، والله أعلم  .