عنوان الفتوى: حكم التفاخر بحفظ القرآن

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

أنا حفظت القرآن كاملاً لوجه الله تعالى، ولكن في بعض الأوقات أتفاخر أمام أصدقائي بذلك ما حكم ذلك؟

نص الجواب

رقم الفتوى

2740

29-نوفمبر-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 نشكرك أيها الحافظ لكتاب الله عز وجل على اهتمامك بأمر قلبك، وتحرك داعية الضمير عندك، وكله من بركة القرآن العظيم، فإن الله تعالى يودع القرآن القلوب الطاهرة، وإذا حصل لها شي من غرور أو عجب فيوقظها بسرعة؛ وذلك على حد قول الله تعالى :(إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) صدق الله العظيم.

 إعلم أيها السائل أن كثيراً من الناس لا يهتم إلا بأمر المظاهر وينسى أو يغيب عن مراقبة الله سبحانه، ولم يتنبه لدخيلة يمر بها تخفى على كثير من الناس إلا من رحم ربي؛ وهي قضية العجب بنفسه أو صوته أو حفظه أو إتقانه ولم يلحظ أنه مبطل لثواب ذلك العمل، وقد عدَّ العلماء الأمراض القلبية من الكبائر التي تحتاج إلى توبة مستقلة، قال صاحب "جوهرة التوحيد":

                 وأمُرْ بعرفٍ واجتنبْ نميمـه        وغيبةً وخَصلةً ذميمــه

                 كالعجب والكبرِ وداء الحسدِ       وكالمراءِ والجدلْ  فاعتمدِ

 يقول شارحها العلامة البيجوري رحمه الله :(أي واجتنب كل خصلة ذميمة شرعاً، وإنما خصَّ المصنف ما ذكره؛  اهتماماً بعيوب النفس، فإن بقاءها مع إصلاح الظاهر كلبس ثياب حسنة على جسم ملطَّخ بالقاذورات، ويكون أيضاً كالعجب وهو رؤية العبادة واستعظامُها، كما يعجب العابد بعبادته والعالم بعلمه، فهذا حرام، وكذلك الرياء فهو حرام. ومثل العجب الظلمُ والبغي والكبر وداء الحسد والمراء والجدل) .

ويقول الفقيه الكبير العلامة ابن عابدين رحمه الله في حاشيته الشهيرة رد المحتار :(إن علمَ الإخلاص والعجب والحسد والرياء فرضُ عين، ومثلها غيرها من آفات النفوس، كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة والمداهنة، والاستكبار عن الحق والمكر والمخادعة والقسوة وطول الأمل، ونحوها مما هو مبين في ربع المهلكات من "الإحياء". قال فيه: ولا ينفك عنها بشر، فيلزمه أن يتعلم منها ما يرى نفسه محتاجاً إليه ، وإزالتها فرض عين، ولا يمكن إلا بمعرفة حدودها وأسبابها وعلاماتها وعلاجها، فإن من لا يعرف الشر يقع فيه).

قال الحسن البصري رحمه الله:

                   رُبَّ مستورٍ سبته شهوتُهْ         قد عري من ستره وانْهَتَكَا

                   صاحبُ الشهوةِ عبدٌ فإذا          مَلَكَ الشهوة أضحى مَلِكـــا

فإذا أخلص لله، وبما كلفه به وارتضاه، قام فأدَّاه، حفَّتهُ العناية حيثما توجه وتيمَّم، وعلَّمه ما لم يكن يعلم ، فكما لا يحسن بالمرء أن يظهر أمام الناس بثياب ملطخة بالأقذار والأدران، لا يليق به أن يترك قلبه مريضاً بالعلل الخفية، وهو محل نظر الله سبحانه وتعالى، كيف تطَبِّبُ جسمَك الفاني ليبقى وتترك قلبَك الباقي مريضاً لأن الأمراض القلبية سبب بُعد العبد عن الله تعالى، وبعده عن جنته الخالدة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخلُ الجنةَ مَنْ كان في قلبه مثقالُ ذرة مِنْ كبر" رواه مسلم وعلى هذا فسلامة الإنسان في آخرته هي في سلامة قلبه، ونجاتُه في نجاته من أمراضه المذكورة.

     وقد تخفى على الإنسان بعض عيوب نفسه، وتدق عليه علل قلبه، فيعتقد في نفسه الكمال، وهو أبعد ما يكون عنه، فما السبيل إلى اكتشاف أمراضه، والتعرف على دقائق علل قلبه؟ وما الطريق العملي إلى معالجة هذه الأمراض، والتخلص منها؟ هي صحبة عالم رباني، وامتثال أمره ونهيه وفق ما شرعه الله تعالى، وأن يتخذ أيضاً أخاً صالحاً نصوحاً، وأن يطالع الكتب التي تعتني بذكر أدواء القلوب وعلاجها ككتاب إحياء علوم الدين، والكتب التي تذكر سير الصالحين المجاهدين لأنفسهم ككتاب صفة الصفوة لابن الجوزي رحمه الله، والله أعلم.

 

 

  • والخلاصة

     يجب عليك أن تترك المفاخرة والعجب بين أصحابك ولتتنبه الى هذا مستقبلاً، أعاننا الله وإياك على الإخلاص والخلاص من عيوب النفس، إنه سميع مجيب والله أعلم.