عنوان الفتوى: التوبة من الفاحشة

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

  أنا شاب أبلغ من العمر عشرين عاماً لم أترك ذنباً أو معصية إلا وفعلتها .. ومصيبتي أنني أمارس الفاحشة - اللواط -  منذ 3 سنوات وأنا الذي يفعل به .. مئات المرات .. بل لا أعرف كم عددها .. وحتى خلال شهر رمضان فعلتها عدة مرات ..  والآن .. لم يعد قلبي يخشع لذكر الله أو لتوبة .. أحس أن قلبي مغلف لا يحس .. وعندي نية للعودة .. ولكنني ضللت الطريق أريد أن أعود لطريق التوبة .. علماً أنني كنت من أتقى الناس حفاظاً على صلاته.. ولا أعرف هل لي توبة أم لا ؟  وكيف الطريق للتوبة ؟ كيف أبدأ ؟ ماهي كفارتي ؟ وهل هناك رد للمظالم هنا ؟

نص الجواب

رقم الفتوى

2576

13-نوفمبر-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فيا أخي الحبيب التائب بارك الله فيك على تواصلك معنا، وأحب أن أهنئك على ما تتمتع به من يقظة الإيمان في قلبك مما دفعك إلى الشعور بالذنب والخطأ، وقد ورد في الحديث الصحيح أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال :( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ ).

  وإن القلب الذي ينكر الفتن والذنب هو صاحب قلب أبيض كما في الحديث الصحيح ( تعرض فتنة على القلوب، فأي قلب أنكرها نكتت في قلبه نكتة بيضاء، وأي قلب لم ينكرها نكتت في قلبه نكتة سوداء، ثم تعرض فتنة أخرى على القلوب، فإن أنكرها القلب الذي أنكرها في المرة الأولى نكتت في قلبه نكتة بيضاء، وإن لم ينكرها نكتت نكتة سوداء، ثم تعرض فتنة أخرى على القلوب، فإن أنكرها الذي أنكرها في المرتين الأوليين اشتد وابيض وصفا ولم تضره فتنة أبداً، وإن لم ينكرها في المرتين الأوليين اسود وارتد ونكس فلا يعرف حقاً ولا ينكر منكراً ) رواه الحاكم في المستدرك وصححه، وهو في صحيح مسلم بلفظ مقارب.

  وإنك يا أخي في مرحلة صعبة تحتاج إلى صبر ومجاهدة ولا تيأس ما دمت كلما أخطأت ترجع إلى الله، وقد ورد في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: ( أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَال: أَي رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ. ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَال: أَي رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِى ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ ).

 والمقصود أن هذا المذنب عقد العزم على التوبة كما فعلت أنت، فيقول الله له: إذا وقع منك الذنب بدون تعمد وإصرارا، وإنما بسبب غلبة النفس والشيطان، وكان حالك الرجوع والتوبة فإنك على خير إن شاء الله، فلن يضرك ما تقع فيه ما دمت على ذلك الحال، وليس المقصود بالحديث الأمر بالمعصية، قال الإمام ملا علي القاري الحنفي في كتابه مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: (قيل في معنى الحديث قد يطلق الأمر للتلطف واظهار العناية والرحمة كما تقول لمن تراقبه وتتقرب إليه وهو يباعد ويقصر في حقك افعل ما شئت فلست أعرض عنك ولا أترك ودادك وهو في الحديث بهذا المعنى أي إن فعلت أضعاف ما كنت تفعل ثم استغفرت عنه غفرت لك فإني أغفر الذنوب جميعا ما دمت عنها مستغفرا إياها وليس معناه فليعمل ما شاء إذا كان بالوصف السابق كما يتبادر فإنه يتضمن الأمر بالمعصية والتوبة وهو لا يصح).

وأنت يا أخي حبيب إلى الرحمن فالتائب حبيب الرحمن والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. وأحب أن أذكرك بما يلي:

أولاً: إن اللواط حرام قطعاً، وفاحشة مرذولة يأنف عن التفكير بها أسوياء البشر، وقد قص لنا القرآن خبر قوم لوط وما عاقبهم الله به من تدمير شامل لقريتهم التي كانت تعمل الخبائث قال تعالى: { فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ } [ هود:82 ].

 وإن الإنسان الذي ابتلي بالوقوع في اقتراف هذه الفاحشة يحتاج إلى توبة صادقة يندم فيها على ما فات، ويبتعد فيها عن رفقاء السوء والجو الذي ساعده على الوقوع في الرذيلة، ويعاهد الله عز وجل على ألا يعود لمثلها أبداً.. ويستر على نفسه ولا يخبر به أحداً ويكثر من الضراعة والبكاء والاستغفار، والله سبحانه وتعالى يقول {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [ الزمر:53 ].

 وأما كفارته فليس له كفارة محددة بل تصدق بما يتيسر لك. قال تعالى: { أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } [ التوبة:104] والله الموفق.

ثانياً: عليك أن تعالج نفسك عند طبيب مؤتمن، فهناك علاج ناجع إذا التزمت به شفاك الله من هذه الأمراض الخبيثة، فتعود إلى وضعك الإنساني الطبيعي.

ثالثاً: عليك أن تذهب إلى عالم رباني صادق، يعينك على التخلص من ماضيك السيئ ويفتح لك أبواب الحياة الجديدة التي رجعت فيها إلى الله تعالى.

رابعاً: بالنسبة لما اقترفته في نهار رمضان فعليك بحسابه ومعرفة عدده وقضاء ما فات مع الكفارة صيام شهرين متتابعين عن كل يوم أو إطعام ستين مسكيناً عن كل يوم مارست فيه الفاحشة في نهار رمضان، وإطعام المسكين مقدر بنصف كيلو من الأرز.

تقبل الله توبتك ولا تتأخر في الرجوع إلى الله والإقبال عليه، ولا تسوف في التوبة. وقل: اللهم طهر قلبي وحصن فرجي.

  • والخلاصة

    عالج نفسك عند طبيب مؤتمن وبالنسبة لما اقترفته في نهار رمضان فعليك بحسابه ومعرفة عدده وقضاء ما فات مع الكفارة صيام شهرين متتابعين عن كل يوم أو إطعام ستين مسكيناً عن كل يوم مارست فيه الفاحشة في نهار رمضان. وتقبل الله توبتك ولا تتأخر في الرجوع إلى الله والإقبال عليه وقل: اللهم طهر قلبي وحصن فرجي. والله أعلم