عنوان الفتوى: حكم ترويج الإشاعات

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ماحكم نشر الإشاعات والترويج لها دون التوثق منها عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي؟ ولكم كل الشكر والتقدير.

نص الجواب

رقم الفتوى

25511

12-أغسطس-2012

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

مواقع التواصل الاجتماعي لها أهمية كبرى في العلاقات بين الناس، غير أنها قد تستخدم في الشر، ومن وسائل استعمالها في الشر بث الشائعات بألوانها المختلفة وبريقها الخادع ومبرراتها الملتوية المصحوبة بالكذب والخداع وبث بذور الفتنة في المجتمعات.  

والإشاعة هي: الإظهار والنشر للأخبار من غير تثبت وتحرٍ للصواب.

وإن الواجب على المسلم الحذر والتحري قبل إشاعة الأخبار وعدم التحدث بكل ما يسمعه؛ جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع". قال العلامة المناوي رحمه الله في فيض القدير:(أي إذا لم يتثبت؛ لأنه يسمع عادة الصدق والكذب فإذا حدث بكل ما سمع لا محالة يكذب والكذب الإخبار عن الشيء على غير ما هو عليه وإن لم يتعمد).

 وفي الإشاعة أضرار كثيرة، وقد عبر عنها القرآن بالإرجاف، قال الله تعالى:{لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب:60]. قال العلامة ابن جزي رحمه الله في تفسيره التسهيل لعلوم التنزيل في معنى المرجفون:(قوم كانوا يشيعون أخبار السوء ويخوفون المسلمين).

والسؤال هنا: كيف يتعامل المسلم مع الشائعات؟

والجواب: إن القرآن الكريم والسنة النبوية رسمت لنا طريقاً واضحاً للتعامل مع الشائعة يتجلى ضمن مايلي:

 ١/ التثبت والتبين دون قبول مضمون ما في الشائعة وعدم العمل بمقتضاها؛ قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (6) الحجرات.

وقد قرأ الجمهور:{فتبينوا} من التبين، وقرأ حمزة والكسائي:{فتثبتوا} من التثبت، والمراد من التبين: التعرّف والتفحص، ومن التثبت: الأناة وعدم العجلة والتبصر في الأمر الواقع والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر.

٢/ مشاورة المختصين والرجوع إلى المصادر الموثوقة قبل نشر الخبر؛ فمن الخطر الجسيم إعادة نشر أي خبر قبل التثبت من مصدره ومن مضمونه ومن الهدف منه وما قد يترتب عليه، ولذا فإن الله سبحانه وتعالى ذم المنافقين بإذاعة الأخبار الكاذبة؛ قال الله تعالى:{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83].قال العلامة ابن كثير رحمه الله في تفسيره:"قوله:{وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به}: إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة".

 ٣/ ظن الخير بالغير والتماس العذر للآخرين ما أمكن؛ قال الله تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْر وقالوا هذا إفك مبين..} [النور:12]. وإن التماس العذر للآخرين من محاسن الأخلاق، فقد أخرج ابن عساكر بسنده إلى محمد بن سيرين : "إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذراً، فإن لم تجد له عذراً فقل لعل له عذراً".

 ٤/ الستر مطلوب وهو أنفع من التشهير ولو مع فرض صحة الخبر، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعين أحداً عندما ينتقد سلوكاً معيناً منه؛ قال العلامة المناوي رحمه الله في كتابه التيسير بشرح الجامع الصغير:(...فكان يقول ما بال أقوام يفعلون كذا وهذا أبلغ وأعم نفعاً لحصول الفائدة فيه لكل سامع مع ما فيه من حسن المداراة والستر على الفاعل وتأليف القلوب).

وهكذا إذاً تبينا هدي ديننا في التعامل مع الشائعات، نسأل الله تعالى أن يحفظ على بلاد المسلمين أمنها وأمانها واستقرارها وأن يحفظ بناتها وشبابها، والله تعالى أعلم.

  • والخلاصة

    لا يجوز تناقل الشائعات عبر مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها ويجب على المسلم أن يتثبت من الأخبار ومصدرها والهدف منها قبل أن يعيد إرسالها ويسهم في نشرها عملاً بقوله تعالى:{ فتبينوا}، والله تعالى أعلم.