عنوان الفتوى: حكم جار المسجد المتهاون في حضور صلاة الجماعة

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

كنت لا أصلي وهداني الله، ولكن لست ملتزماً تماماً ،وأنا جار المسجد، فهل تجوز الصلاة في المنزل؟

نص الجواب

رقم الفتوى

2547

04-ديسمبر-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

جزاك الله خيراً أيها الأخ الكريم على سؤالك، ونسأل الله أن يزيدك حرصاً على تعلم أمور دينك، وأن يبارك فيك.

واعلم حفظك الله أن الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، ورأس القربات، وغرة الطاعات، و ما افترض الله على خلقه بعد التوحيد أحب إليه من الصلاة ولو كان شيء أحب إليه منها لتعبد به ملائكته ، فمنهم راكع ومنهم ساجد ومنهم قائم وقاعد، والصلاة صلة بين العبد وبين ربه عز وجل، تنفرج بها الهموم وتستجلب بها الأرزاق، وتدفع بها الآفات والمصائب، وهي النور الذي يفتح بصيرة المسلم على الخير،وتطهر نفسه من الفحشاء والمنكر،  وإنما يحافظ عليها من يعرف قدرها، ويرجو أجرها، ويخاف العقاب على تركها، وهذه صفة المؤمن.

ومما يدل على عظيم مكانة الصلاة  أنها أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة فإن صلحت فقد أفلح وأنجح ، وإن فسدت فقد خاب وخسر ، وقد كان الصحابة أشد حرصاً عليها، حتى كان الرجل يحمل إلى المسجد حملاً ، فقد روى مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ)

وكذلك جعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم الفارق بين المؤمن وغيره

كما أن الصلاة تجلب السعادة والاطمئنان والراحة النفسية والسكينة القلبية، وثبت علمياً بأن الصلاة مفيدة لأعصاب الجسم وعضلاته، وللدورة الدموية وخاصة لتغذية الدماغ،  

وكما عظَّم الله مكانة الصلاة ، فقد ورد الوعيد الشديد والزجر الأكيد في حق تاركها، ويكفي في ذلك قول الله تبارك وتعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} (الماعون:4-5)، وقول الله سبحانه وتعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} (مريم:59)،

وإذا كان هذا في حق عموم المسلمين ، فهو في حق جار المسجد أشد تأكيداً ، ومن ثم وجب عليك أن تجتهد وتحتاط قدر الإمكان في حصر الأوقات الواجب عليك قضاؤها حتى تبرأ ذمتك أمام الله تعالى فلا تسقط عنك. قال تعالى: { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً } (النساء:103). 

ويمكنك أن تقضي مع كل فرضٍ صلاةً، على قدر استطاعتك فإن الله لايكلف نفساً إلا وسعها، قال سبحانه : " لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا " (البقرة 286)، وقال تعالى : " فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ " (التغابن 16). 

 ولهذا جاء في المدونة عن الإمام مالك رحمه الله : " وَيُصَلِّي فَوَائِتَهُ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ "اهـ، وفي الرسالة لابن أبي زيد:(ومن عليه صلوات كثيرة صلاها في كل وقت من ليل أو نهار وعند طلوع الشمس وعند غروبها وكيفما تيسر له) إشارة إلى دفع المشقة في قضائها من غير تفريط  

قال ابن عبد البر المالكي في الاستذكار :ولا تصح لمضيع الصلاة توبة إلا بأدائها كما لا تصح التوبة من دين الآدمي إلا بأدائه ومن قضى صلاة فرط فيها فقد تاب وعمل صالحا والله لا يضيع أجر من أحسن عملا...وكذلك نقول لا صلاة له كاملة كما لا صلاة لجار المسجد ولا إيمان لمن لا أمانة له.اهـ

وكذلك لا ينبغي لجار المسجد أن لا يدع الصلاة في المسجد أو يتهاون في حضور الجماعات

وقد أخرج عبد الرزاق  وابن أبي شيبة والبيهقي عن علي قال : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ، قيل لعلي ومن جار المسجد ؟ قال : من سمع النداء.

فالحديث وإن كان ضعيفاً فإن له شاهد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ)

أخرجه أبو داود و ابن ماجة و الدارقطني و الحاكم و البيهقي ، و قد صححه الأئمة : الحاكم والنووي و العسقلاني و الذهبي ،رحمهم الله  

لكن ذكر الفقهاء أن من ترك الجماعة وصلى منفرداً فلا يجب عليه الإعادة وتجزئه صلاته ، ولكن صلاته ليست كاملة

قال الحافظ ابن رجب في فتح الباري : وأكثرهم عَلَى أَنَّهُ لَوْ ترك الجماعة لغير عذرٍ وصلى منفرداً أَنَّهُ لا يجب عَلِيهِ الإعادة، ونص عَلِيهِ الإمام أحمد .

 وقال الإمام الطحاوي في شرح معاني الآثار : قوله { لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ } وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إذَا صَلَّى كَذَلِكَ ، كَانَ فِي حُكْمِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ ، وَلَكِنَّهُ قَدْ صَلَّى صَلَاةً تُجْزِئُهُ ، وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِمُتَكَامِلَةِ الْأَسْبَابِ فِي الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ ، لِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ ، اتِّصَالُ الصُّفُوفِ ، وَسَدُّ الْفُرَجِ.اهـ  

قال الإمام ابن المنذر في الأوسط : وفي ذم أهل العلم ، وغيرهم المتخلف عن حضور الجماعات مع المسلمين مع قول ابن عمر : كنا من فقدناه في صلاة العشاء ، والفجر أسأنا به الظن ، وقول عبد الله بن مسعود : ولقد رأيتنا ، وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم نفاقه ، بيان ما قلناه ، ولو كان حضور الجماعات ندبا ما لحق المتخلف عنها ذم ، والله أعلم.اهـ

 

  • والخلاصة

    حفظك الله أن الصلاة عماد الدين،وهي الركن الثاني بعد التوحيد، وهي أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة، ويجب عليك قضاء ما فاتك من الصلاة ، ولا ينبغي لجار المسجد أن يدع الصلاة في المسجد أو يتهاون في حضور الجماعات ، فإذا صلى في بيته إجزأته صلاته وهي غير كاملة، والله أعلم.