عنوان الفتوى: الفرق بين كراهة التنزيه وكراهة التحريم، وثمرة هذا التفريق

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ما الفرق بين كراهة التنزيه وكراهة التحريم ؟ واذا كانت كراهة التحريم تأخذ نفس حكم التحريم فلماذا كان هذا التفريق ؟ حيث إننا نعلم أن المكروه هو الفعل الذي لا يؤاخذ فاعله ويؤجر تاركه امتثالاً ؟

نص الجواب

رقم الفتوى

2196

25-نوفمبر-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ الكريم على سؤالك، ونسأل الله أن يزيدك حرصاً على تعلم أمور دينك، وأن يبارك فيك..

واعلم حفظك الله أن لفظ المكروه قد تعدَّدت إطلاقاته واختلفت دلالاته.

قال الإمام الزركشي في البحر المحيط : ويطلق المكروه على أربعة أمور:

أحدها : الحرام، ومنه قوله تعالى: { كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً } [الإسراء: 38] أي محرماً، ووقع ذلك في عبارة الشافعي ومالك ... قال الصيدلاني: وهو غالب في عبارة المتقدمين كراهة أن يتناولهم قوله تعالى: { وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ } [ النحل: 116]، فكرهوا إطلاق لفظ التحريم.

الثاني : ما نهي عنه نهي تنزيه وهو المقصود هنا (أي بحث قسم المكروه في كتب الأصول).

الثالث : ترك الأولى كصلاة الضحى؛ لكثرة الفضل في فعلها ... وفرَّق معظم الفقهاء بينه وبين الذي قبله أن ما ورد فيه نهي مقصود يقال فيه: مكروه، وما لا يرد فيه نهي مقصود يقال فيه: خلاف الأولى، ولا يقال: مكروه.

 وفَرَّق محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة بين الحرام والمكروه كراهة تحريم، فقال: المكروه كراهة تحريم: ما ثبت تحريمه بغير قطعي، والحرام ما ثبت بقطعي كالواجب مع الفرض.

الرابع: ما وقعت الشبهة في تحريمه كلحم السبع، ويسير النبيذ.اهـ 

 وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن المكروه قسم واحد، أما الحنفية فقسّموه إلى قسمين:

الأول : مكروه تحريماً، وهو ما نهى عنه الشرع نهيًا جازماً بدليل ظني، كأخبار الآحاد والقياس. ومَثَّلُوا له بما رواه مسلم وابن ماجة عن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قال : ( لا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر ). وهو حديث آحاد، فهو ظني الثبوت.

الثاني: مكروه تنزيهاً، وهو ما طلب الشارع الكف عنه طلبًا غير جازم، وهو المقابل للمندوب، مثل: نهي الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن أن يُشَبِّك الشخص بين أصابعه في المسجد.

فقد روى أبو داود وأحمد عن كعب بن عجرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ يَدَيْهِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ ). 

فالفارق ـ عند الحنفية - بين الحرام والمكروه تحريماً: أن الحرام ثابت بدليل قطعي، والمكروه تحريماً ثابت بدليل ظني، وهو أقرب إلى الحرام، حتى عده بعضهم من الحرام، وإن كان لا يكفر جاحده.

والحنفية قد صرحوا بأن لفظ المكروه إذا أطلق في كلامهم فالمراد منه التحريم، ما لم ينص على كراهة التنزيه كما في حاشية العلامة ابن عابدين الحنفي حيث قال:

مطلب: الكراهة حيث أطلقت فالمراد منها التحريم، قال في البحر: واعلم أن المكروه إذا أطلق في كلامهم فالمراد منه التحريم، إلا أن ينص على كراهة التنزيه، فقد قال المصنف في المصفى: لفظ الكراهة عند الإطلاق يراد بها التحريم.اهـ

  وأما المالكية والشافعية والحنابلة فقد صرحوا بالعكس، وأن الكراهة متى أطلقت لا تنصرف إلا للتنزيه، كما في حاشية العلامة العدوي المالكي حيث قال: ( لَمَّا كَانَتْ الْكَرَاهَةُ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا التَّنْزِيهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ هُنَا، وَتُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا التَّحْرِيمُ دَفَعَ هَذَا الثَّانِيَ بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ ذَكَرَهُ، إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّهَا مَتَى أُطْلِقَتْ لَا تَنْصَرِفُ إلَّا لِلتَّنْزِيهِ ).اهـ

  وقال الإمام الزركشي الشافعي في البحر المحيط: قال ابن سُرَاقَةَ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ لَفْظَ الْمَكْرُوهِ لَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ.اهـ

ونقل ابن بدران في كتاب المدخل إلى مذهب الإمام أحمد عن الطوفي أنه قال في مختصر الروضة: ( وإطلاق الكراهة ينصرف إلى التنزيه ). وقال المرداوي في التحرير: المكروه إلى الحرام أقرب وهو في عرف المتأخرين للتنزيه، ويقال لفاعله: مخالف وغير ممتثل ومسيىء نصاً. اهـ

وعليه: فيا أخي الكريم، يتبين مما سبق أن الجمهور جعلوا المكروه قسماً واحداً، وفرَّق الحنفية فقالوا: المكروه تنزيهاً هو ماطلب الشارع الكف عنه طلباً غير جازم، وما ثبت بدليلٍ ظنيّ مكروه تحريماً، وما ثبت بدليلٍ  قطعيّ حرام، وثمرة هذا التفريق تظهر في الآثار المترتبة عليهما، فعند الترجيح يقدم ما ثبت قطعياً على ما ثبت ظنياً، كما أن جحود ما ثبت قطعياً يخرج من الملة بخلاف جحود ما ثبت ظنياً. والله أعلم.

  وللاطلاع على المزيد عن هذه المسألة يرجى مطالعة بعض كتب الأصول، ومنها : كتاب البحر المحيط للإمام الزركشي، وكتاب الإحكام للإمام الآمدي، وكتاب المستصفى للإمام الغزالي، وكذا حاشية ردّ المحتار للعلامة ابن عابدين الحنفي رحمهم الله أجمعين .

 

 

 

 

 

 

  • والخلاصة

    جمهور العلماء جعلوا المكروه قسماً واحداً، وفرَّق الحنفية : فجعلوا المكروه تنزيهاً هو ماطلب الشارع الكف عنه طلباً غير جازم، وما ثبت بدليلٍ ظنيّ مكروه تحريماً، وما ثبت بدليلٍ قطعيّ حرام، وثمرة هذا التفريق تظهر في الآثار المترتبة عليهما، فمنها : أنه عند الترجيح يقدم ما ثبت قطعياً على ما ثبت ظنياً، كما أن جحود ما ثبت قطعياً يخرج من الملة بخلاف جحود ما ثبت ظنياً. والله أعلم.