عنوان الفتوى: معالجة الوسواس

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

أنا أعاني من الوسواس القهري منذ أربع سنوات، والآن عندما أقوم للصلاة لاأستطيع تكملة تكبيرة الاحرام (الله أك) فأبقى أكرر في هذا الجزء فماذا أفعل؟ أرجوا إجابتي في أقرب فرصة لاني في حالة يرثى لها وانا لا استطيع التوقف عن الصلاة رغم ما أعانيه.

نص الجواب

رقم الفتوى

2116

05-نوفمبر-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فنسأل الله العظيم ربَّ العرش الكريم أن يمنَّ عليك بالشفاء، وأن يشرح صدرك، ويرزقك الراحة والطمأنينة.

وقد سئل ابن حجر الهيتمي عن داء الوسوسة هل له دواء؟ فأجاب:( لَهُ دَوَاءٌ نَافِعٌ وَهُوَ الْإِعْرَاضُ عَنْهَا جُمْلَةً كَافِيَةً.وَإِنْ كَانَ فِي النَّفْسِ مِنْ التَّرَدُّدِ مَا كَانَ - فَإِنَّهُ مَتَى لَمْ يَلْتَفِتْ لِذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ بَلْ يَذْهَبُ بَعْدَ زَمَنٍ قَلِيلٍ كَمَا جَرَّبَ ذَلِكَ الْمُوَفَّقُونَ، وَأَمَّا مَنْ أَصْغَى إلَيْهَا وَعَمِلَ بِقَضِيَّتِهَا فَإِنَّهَا لَا تَزَالُ تَزْدَادُ بِهِ حَتَّى تُخْرِجَهُ إلَى حَيِّزِ الْمَجَانِينِ بَلْ وَأَقْبَحَ مِنْهُمْ، كَمَا شَاهَدْنَاهُ فِي كَثِيرِينَ مِمَّنْ اُبْتُلُوا بِهَا وَأَصْغَوْا إلَيْهَا وَإِلَى شَيْطَانِهَا الَّذِي جَاءَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : { اتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْوَلْهَانُ} -رواه أحمد والترمذي - أَيْ : لِمَا فِيهِ مِنْ شِدَّةِ اللَّهْوِ وَالْمُبَالَغَةِ فِيهِ كَمَا بَيَّنْت ذَلِكَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي شَرْحِ مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ، وَجَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته وَهُوَ أَنَّ مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْوَسْوَسَةِ فَلْيَعْتَقِدْ بِاَللَّهِ وَلْيَنْتَهِ.
فَتَأَمَّلْ هَذَا الدَّوَاءَ النَّافِعَ الَّذِي عَلَّمَهُ مَنْ لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى لِأُمَّتِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ حُرِمَهُ فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ ؛ لِأَنَّ الْوَسْوَسَةَ مِنْ الشَّيْطَانِ اتِّفَاقًا، وَاللَّعِينُ لَا غَايَةَ لِمُرَادِهِ إلَّا إيقَاعُ الْمُؤْمِنِ فِي وَهْدَةِ الضَّلَالِ وَالْحَيْرَةِ وَنَكَدِ الْعَيْشِ وَظُلْمَةِ النَّفْسِ وَضَجَرِهَا إلَى أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ الْإِسْلَامِ. وَهُوَ لَا يَشْعُرُ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاِتَّخِذُوهُ عَدُوًّا... وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ اسْتَحْضَرَ طَرَائِقَ رُسُلِ اللَّهِ سِيَّمَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ طَرِيقَتَهُ وَشَرِيعَتَهُ سَهْلَةً وَاضِحَةً بَيْضَاءَ بَيِّنَةً سَهْلَةً لَا حَرَجَ فِيهَا وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ، وَمَنْ تَأَمَّلَ ذَلِكَ وَآمَنَ بِهِ حَقَّ إيمَانِهِ ذَهَبَ عَنْهُ دَاءُ الْوَسْوَسَةِ وَالْإِصْغَاءِ إلَى شَيْطَانِهَا... وَذَكَرَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ نَحْوَ مَا قَدَّمْته فَقَالُوا : دَوَاءُ الْوَسْوَسَةِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ ذَلِكَ خَاطِرٌ شَيْطَانِيٌّ ، وَأَنَّ إبْلِيسَ هُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ يُقَاتِلُهُ ، فَيَكُونُ لَهُ ثَوَابُ الْمُجَاهِدِ ؛ لِأَنَّهُ يُحَارِبُ عَدُوَّ اللَّهِ ، فَإِذَا اسْتَشْعَرَ ذَلِكَ فَرَّ عَنْهُ ، وَأَنَّهُ مِمَّا اُبْتُلِيَ بِهِ نَوْعُ الْإِنْسَانِ مِنْ أَوَّلِ الزَّمَانِ وَسَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِحْنَةً لَهُ ؛ لِيُحِقَّ اللَّهُ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ .
وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي فَقَالَ : ذَلِكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ ، فَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْهُ وَاتْفُلْ عَنْ يَسَارِك ثَلَاثًا ، فَفَعَلْت فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي .
وَفِي رِسَالَةِ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَطَاءٍ قَالَ : "ضَاقَ صَدْرِي لَيْلَةً لِكَثْرَةِ مَا صَبَبْت مِنْ الْمَاءِ ، وَلَمْ يَسْكُنْ قَلْبِي فَقُلْت : يَا رَبِّ عَفْوَك ، فَسَمِعْت هَاتِفًا يَقُولُ : الْعَفْوُ فِي الْعِلْمِ ؛ فَزَالَ ذَلِكَ عَنِّي".
وَبِهِ تَعْلَمُ صِحَّةَ مَا قَدَّمْته أَنَّ الْوَسْوَسَةَ لَا تُسَلَّطُ إلَّا عَلَى مَنْ اسْتَحْكَمَ عَلَيْهِ الْجَهْلُ وَالْخَبَلُ وَصَارَ لَا تَمْيِيزَ لَهُ ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى حَقِيقَةِ الْعِلْمِ وَالْعَقْلِ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ الِاتِّبَاعِ وَلَا يَمِيلُ إلَى الِابْتِدَاعِ)، وهو أيضاً كما قال الشيخ أحمد بن زروق المالكي رحمه الله في ترجمة الوسوسة :( جهل في الدين أو خبال في العقل)ا.هـ.
ويمكن أن نُجْمِلَ العلاج فيما يلي: 

 أولاً: الالتجاء إلى الله تعالى بصدق وإخلاص في أن يذهب الله عنك هذا المرض.
الثاني: الإكثار من قراءة القرآن والمحافظة على أذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم والاستيقاظ، ودخول المنزل والخروج، ودخول الحمام والخروج منه، والتسمية عند الطعام وحمد الله بعده، وعليك بكتاب الأذكار للإمام النووي، فقد قال العلماء: بع الدار واشتري الأذكار.

ثالثاً: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وترك الانقياد لخطواته الخبيثة في الوسوسة.

رابعاً: استحضار القلب عند القيام بالعبادات، فإنه إذا كان حاضر القلب، وعلم أنه تلفظ بـ (الله أكبر)، كان انتباهه هذا ناهياً له عن متابعة وساوس الشيطان، والله تعالى أعلم.

  • والخلاصة

    دواء الوسواس هو الإعراض عنه مع الابتهال لله أن يخلصك الله منه، والإكثار من قراءة القرآن، والمحافظة على الأذكار، والاستعاذة من الشيطان، والعلم النافع مع حضور القلب، والله تعالى أعلم.