عنوان الفتوى: الجامعة لبعض أحكام الجمع والقصر في السفر

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ماهي أحكام الجمع والقصر بارك الله بكم؟

نص الجواب

رقم الفتوى

19321

12-أكتوبر-2011

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فنشكرك أخي السائل على سؤالك، واعلم أن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام وهي صلة بين العبد وربه لا يجوز تركها أبدا، فهي كما قال تعالى: {إنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: ١٠٣].

وكما فرض الله الصلاة على عباده وجعلها لا تسقط عن المكلف ما دام عاقلا؛ جعل في كيفية أدائها تيسيرا حسب حال الإنسان من المرض والسفر وغيره، ففي السفر الذي هو مظنة المشقة أجاز الشرع للمسافر جمع الصلاة وقصرها، قال تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء:101]، وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك.

ولكن هناك شروط للجمع والقصر في السفر لا بد له من معرفتها وتحققها فإذا تحققت الشروط فيُسنّ قصر الصلاة الرباعية ويجوز الجمع، وهي:

- أن يكون الشخص مسافراً سفراً يبلغ ذهاباً مسافة القصر وهي أربعة برد وتقدر بأربعة وثمانين كيلو متر تقريبا.

- أن تكون الصلاة رباعية لأن الذي يقصر من الصلاة الصلوات الرباعية فقط، وهي الظهر والعصر والعشاء، قال القاضي عبد الوهاب في التلقين: (القصر في الصلاة الرباعية، لأن المغرب لا تنصف والفجر لو قصرت لكانت ركعة وذلك ممنوع).

- وأن يكون سفره لطاعة أو أمر مباح، قال الحافظ ابن عبد البر في الكافي في فقه أهل المدينة: (صلاة المسافر ركعتان إلا المغرب ولا يقصر أحد صلاته حتى يكون سفره طاعة أو مباحا).

- أن يجاوز الشخص محل الإقامة لأن الجمع والقصر بسبب السفر لا يجوز ما لم يغادر محل إقامته أي ما لم يسافر حقيقة، جاء في المدونة: (وقال مالك في الرجل يريد سفرا: إنه يتم الصلاة حتى يبرز عن بيوت القرية، فإذا برز قصر الصلاة وإذا رجع من سفره قصر الصلاة حتى يدخل بيوت القرية أو قربها)، قال الشيخ خليل رحمه الله ملخصا هذه الشروط: (سن لمسافر: غير عاص به، ولاهٍ: أربعة برد، ولو ببحر ذهابا قصدت دفعة، إن عدّى البلديُ البساتين المسكونة والعمودي حلته، وانفصل غيرهم قصرُ رباعية ... وقطعه: دخول وطنه، أو مكان زوجة دخل بها فقط وإن بريح غالبة، ونية دخوله وليس بينه وبينه المسافة، ونية إقامه أربعة أيام صحاح، ولو بخلاله).

ويمتنع القصر والجمع بوصول المسافر إلى بلده أو غيرها إذا نوى إقامة أربعة أيام صحاح فما فوقها، تتضمن عشرين صلاة وعليه فوصول الشخص إلى وطنه، أو إلى مكان فيه زوجة له مدخول بها يعتبر مقيما، قال العلامة أبو محمد عبدالله بن أبي زيد القيراوني رحمه الله في كتابه الرسالة: (وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع أو ما يصلي فيه عشرين صلاة أتم الصلاة حتى يظعن من مكانه ذلك).

ولا يجوز جمع ولا قصر قبل دخول الوقت أوقبل السفر، ومن فاتته صلاة في السفر فأراد أن يصليها في الحضر فيصليها على نحو ما فاتت أي قصرا إن كانت مما يقصر وهي الرباعية، ومن فاتته صلاة في الحضر وأراد أن يصليها في السفر فيصليها على نحو ما فاتت أي تامة بلا قصر، قال العلامة الدرير رحمه الله تعالى في الشرح الكبير :(وجب فوراً قضاء صلاة فائتة على نحو ما فاتته من سفرية وحضرية وسرية وجهرية).

والجمع إنما يكون بين الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء تقديما أو تأخيرا، فلا جمع بين العصر والمغرب أو العشاء والفجر أو الفجر والظهر، فمثلاً من كان مسافرا خارجا من بلده أو عائداً إليه يجوز له جمع التقديم بين الظهر والعصر، فإذا دخل وقت الظهر وهو نازل (غير سائر) كنزوله في استراحة مثلا وقد دخل وقت الظهر وكان في نيته إذا تحرك أنه لن ينزل مرة أخرى حتى  يصل إلى بلده أو موطن إقامته إلا بعد اصفرار الشمس فإنه والحالة هذه يجوز له أن يجمع العصر مع الظهر جمع تقديم، فيصلي الظهر في أول وقتها المختار، ويجمع العصر معها، وأما من كان يعلم أنه سيصل إلى بلده أو محل إقامته في الوقت المختار للعصر أي سيصل قبل اصفرار الشمس فلا يجمع العصر مع الظهر في هذه الحالة، قال العلامة ابن الحاجب رحمه الله تعالى في مختصره الفقهي: ( فإن زالت الشمس، ونيته النزول بعد الاصفرار جمع مكانه، وقبل الاصفرار صلى الظهر وأخر العصر)، ومثل الظهر والعصر في هذا التفصيل المذكور المغرب والعشاء، ويعتبر الثلث الأول بمثابة ما قبل الاصفرار.

وإذا صلى مسافر خلف مقيم أتم الصلاة أربعاً، كما صحت بذلك السنة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولأن متابعة الإمام واجبة، وقصر الرباعية في السفر سنة لا واجب على الصحيح. فقد روى الإمام أحمد في المسند عن موسى بن سلمة قال: كنا مع ابن عباس بمكة فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعاً وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين قال: تلك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم.

وفي هذه المسألة تفصيل فإذا اقتدى المسافر بالمقيم فأدرك معه ركعة فما فوق أتمَّ وجوباً معه ولا يقصر، يقول الإمام عليش رحمه الله: ((وتبعه) أي المأموم المسافر إمامه المقيم في الإتمام وجوبا إن أدرك معه ركعة).

ولا يشفع للمسافر المؤتم بالمقيم في القصر كونه دخل معه بنية القصر ما دام قد أدرك معه ركعة، نص على ذلك الشيخ الدردير رحمه الله فقال: (وتبعه) بأن يتم معه، ولو نوى القصر كما في النقل إن أدرك معه ركعة، لكنه إن أدرك معه أقل من ركعة لا يُتِمُّ بل يقصر، يقول الإمام الحطاب رحمه الله في مواهب الجليل: (وإنما يتم المسافر بإتمام إمامه إذا أدرك من صلاته ركعة فأكثر، وإن لم يدرك معه ركعة ودخل معه في الجلوس أو سجود من آخر ركعة لم يتم صلاته، وكان عليه قصرها).

وللمسافر الجمع بين الجمعة والعصر جمع تقديم إن توفرت فيه شروط الجمع والقصر السابقة، ويكون ذلك بأن يأتي بعد انتهائه من الجمعة بصلاة ركعتين بنية العصر.

ويستحب للمسافر أن يصلي النوافل إن وجد نشاطاً ولا ينبغي أن يترك النافلة لمجرد أنه مسافر، فقد كان صلى الله عليه وسلم يصلي النافلة على راحلته ولم ينه عن الصلاة في السفر فيما علمنا، فحكم التنفل باق على أصله وترك التنفل عند التعب جار على أصل يسر الشريعة أيضاً، وفي المدونة: "قال مالك: يتنفل الرجل في السفر ليلا أو نهارا على دابته حيثما توجهت به، قال: وكذلك على الأرض يتنفل ليلا أو نهارا في السفر". وليحافظ المسافر على الوتر وسنة الفجر فيصليهما ولكن بالنسبة للوتر يصليها بعد دخول الوقت الحقيقي للصلاة لا بعد جمع التقديم، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يترك الوتر وركعتي الفجر في أسفاره، قال الشيخ خليل رحمه الله تعالى مبينا وقت صلاة الوتر بقوله: ووقته بعد عشاء صحيحة وشفق للفجر، ومعناه: أن وقت صلاة الوتر يكون بعد صلاة العشاء الصحيحة.

وهناك مسألة ننبه عليها وهي السفر يوم الجمعة فإن كان قبل طلوع الفجر فهو جائز، وإن كان بعده فهو مكروه؛ وإن كان عند الزوال أي قبل الظهر بقليل فهو محرم إن لم يكن لضرورة أو عَلِم المسافر أنه سيدرك الجمعة ببلد آخر، جاء في شرح مختصر خليل للإمام الخرشي المالكي رحمه الله تعالى: (وكره السفر يوم الجمعة لمن تلزمه بعد فجره على المشهور إذ لا ضرر عليه في الصبر لتحصيل هذا الخير العظيم، وأما قبله فجائز وحرام بالزوال قبل النداء على المعروف لتعلق الخطاب به إلا أن يتحقق عدم ترك الجمعة بسفره لقصر سفره فيجوز ومحل الحرمة ما لم يحصل له ضرورة بعدم السفر عند الزوال من ذهاب ماله ونحوه كذهاب رفقته فإنه يباح له السفر حينئذ)، والله تعالى أعلم.

 

  • والخلاصة

    يجوز الجمع والقصر بالسفر إذا تحققت الشروط، فيجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء تقديما أو تأخيرا، والله تعالى أعلم.