عنوان الفتوى: جهة انصراف الإمام بعد التسليم من الصلاة

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

صلى بنا إمام وبعد السلام انحرف عن جهة اليسار واستقبل الناس فأنكر عليه بعض المصلين، وقال: أنصرف إلى الناس بعد السلام وإلى بيتك بعد الأذكار إلى جهة اليمين فما قولكم؟

نص الجواب

رقم الفتوى

17

22-يناير-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

ففي سؤالك أخي الكريم مسألتان: الأولى: كيفية انصراف المصلي عن موضع صلاته إلى بيته أو غيره من الأماكن، الثانية: كيفية انصراف الإمام إلى المأمومين بعد السلام.

 أما المسألة الأولى: فقد وردت السنة الشريفة بمشروعية انصرافه إلى جهة اليمين وإلى جهة اليسار وعلى ذلك اتفق أهل العلم رحمهم الله تعالى وأنكروا على من أوجب الانصراف إلى جهة اليمين.

 واختلفوا على قولين في أيهما أفضل وأكثر فعلاً من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسبب اختلافهم هو اختلاف الصحابة الناقلين لفعله.  

القول الأول: فصَّل القائلون به، فقالوا للمصلي حالتين:

 الأولى: أن تكون له حاجة فالأفضل أن ينصرف جهة حاجته دون تقيد بيمين أو شمال.

 الثانية: أن لا تكون له حاجة بل يستوي أن ينصرف يمينا أو شمالا فالأفضل ان ينصرف يمينا.

 القول الثاني: سوى القائلون به بين الأمرين ولم يصرحوا بتفضل جهة معينة.

 وهذه طائفة من الأحاديث النبوية وفهم أهل العلم لها وجمعهم بينها، ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:" لا يجعلن أحدكم للشيطان من نفسه جزءاً لا يرى، إلا أن حقاً عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، أكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن شماله"رواه مسلم.

وعَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ))رواه البخاري.

 قال النووي في شرح مسلم:" ((وَفِي حَدِيث أَنَس: أَكْثَر مَا رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْصَرِف عَنْ يَمِينه)).

 وَفِي رِوَايَة ((كَانَ يَنْصَرِف عَنْ يَمِينه)) وَجْه الْجَمْع بَيْنهمَا: أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَل تَارَة هَذَا وَتَارَة هَذَا فَأَخْبَرَ كُلّ وَاحِد بِمَا اِعْتَقَدَ أَنَّهُ الْأَكْثَر فِيمَا يَعْلَمهُ فَدَلَّ عَلَى جَوَازهمَا، وَلَا كَرَاهَة فِي وَاحِد مِنْهُمَا.....

ثم قال: وَمَذْهَبنَا أَنَّهُ لَا كَرَاهَة فِي أَحَد مِنْ الْأَمْرَيْنِ , لَكِنْ يُسْتَحَبّ أَنْ يَنْصَرِف فِي جِهَة حَاجَته , سَوَاء كَانَتْ عَنْ يَمِينه أَوْ شِمَاله , فَإِنْ اِسْتَوَى الْجِهَتَانِ فِي الْحَاجَة وَعَدَمهَا فَالْيَمِين أَفْضَل لِعُمُومِ الْأَحَادِيث الْمُصَرِّحَة بِفَضْلِ الْيَمِين فِي بَاب الْمَكَارِم وَنَحْوهَا . هَذَا صَوَاب الْكَلَام فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَقَدْ يُقَال فِيهِمَا خِلَاف الصَّوَاب)اهـ.

 وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم وحسنه النووي عن هلب-بضم الهاء- الطائي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمنا فينصرف على جانبيه جميعاً على يمينه وعلى شماله. قال الترمذي: وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وأنس وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة، قال أبو عيسى: حديث هلب حديث حسن وعليه العمل عند أهل العلم أنه ينصرف على أي جانبيه شاء إن شاء عن يمينه وإن شاء عن يساره وقد صح الأمران عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويروى عن علي بن أبي طالب أنه قال: إن كانت حاجته عن يمينه أخذ عن يمينه وإن كانت حاجته عن يساره أخذ عن يساره.

 وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه في (الأم) ما نصه:(( فإذا قام المصلي من صلاته إماماً  أو غير إمام فلينصرف حيث أراد إن كان حيث يريد يميناً أو يساراً أو مواجهة وجهه أو من ورائه انصرف كيف أراد لا اختيار في ذلك أعلمه؛ لما روي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان ينصرف عن يمينه وعن يساره وإن لم يكن له حاجة في ناحية، وكان يتوجه ما شاء أحببت له أن يكون توجهه عن يمينه لما{كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التيامن} غير مضيق عليه في شيء من ذلك ولا أن ينصرف حيث ليست له حاجة أين كان انصرافه)اهـ.

 وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي رحمه الله في المغني:((وينصرف حيث شاء عن يمين وشمال، لقول ابن مسعود رضي الله عنه: لا يجعل أحدكم للشيطان حظاً من صلاته، يرى حقاً عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه:{لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما ينصرف عن شماله}رواه مسلم. وعن قبيصة بن هلب عن أبيه:{أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان ينصرف عن شقيه}رواهما أبو داود وابن ماجه)اهـ.

 وأما المسألة الثانية: وهي كيفية انصراف الإمام إلى المأمومين بعد السلام وكيف يواجههم.

 فيجوز أن ينصرف إلى أي جهة شاء ولا خلاف في جواز ذلك وإنما الخلاف في الأفضل على قولين:

 الأول: الأفضل أن يكون انصرافه تجاه حاجته إن كانت له حاجة وإلا فعن اليمين لشرفها كما سبق في المسألة الأولى.

 الثاني: لم يصرحوا بأفضلية جهة معينة.

 وظاهر ما ورد في السنة في المسألة الأولى يؤيد القول الأول هنا وقد ورد أيضاً ما يدلُّ على هذا بالخصوص ويبين أنَّ الأفضل للإمام بعد توجهه إلى المأمومين أن يكون مائلاً إلى جهة من كانوا في الصلاة عن يمينه وهو الأصح عند الشافعية رحمهم الله تعالى، لما في صحيح مسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال:{كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه فسمعته يقول في قنوته- أي دعائه-: رب قني عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك}.

 قال الإمام النووي رحمه الله في المجموع:" إذا أراد أن ينفتل في المحراب ويقبل على الناس للذكر والدعاء وغيرهما جاز أن ينفتل كيف شاء , وأما الأفضل فقال البغوي الأفضل أن ينفتل عن يمينه"اهـ.

 والحاصل أخي الكريم: أنَّ الأمر فيه سعة وينبغي للإمام أن يعلم الناس عدم لزوم الانصراف إلى جهة اليمين فقط، فإذا ما عقلوا عنه ذلك وقبلته نفوسهم فلا بأس من تطبيقه عملياً أحياناً لأنّ الأفضل الانصراف عن اليمين عند عدم الحاجة كما سبق.

وأما تطبيقه عملياً قبل تعليمهم وإقناعهم فقد يسبب فساداًَ في القلوب وشقاقاً في صفوف المصلين ونفرةً بينهم وبين الإمام، ومن ثمَّ لن يكون لكلامه فيما بعد قبولاً عندهم، وقد منع العلماء من عمل السنن إذا كانت تؤدي إلى ما ذكر، والله أعلم.

  • والخلاصة

    يجوز للإمام الانصراف لليمين أو اليسار، والله أعلم.