عنوان الفتوى: حفظ اللسان عن الخوض في أعراض العلماءأو السخرية بهم

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

كان هناك خلاف حول تفسير آية فى القرآن الكريم، فلم أدرِ ما هو الصحيح ?فذهبت إلى كتاب تفسير القرطبى لأعرف تفسيرها ،و كان والدي بجوارى، فسألنى: عما تبحثين؟ فقلت له: ما حدث، و قلت له: فجأة! لأتحاكم إلى الطاغوت، أقصد كتاب القرطبي ( أستغفر الله العظيم ) و كنت متأثرة بالآية الكريمة فى سورة النساء ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك و ما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ......... الخ الآية ) فالله يعلم أنى لم أكن أستهزىء بالتفسير أو بالكتاب العظيم، فأنا حاملة لكتاب الله و طالبة علم بفضل الله و رحمته، فخفت خوفاً شديداً مما قلت، و استغفرت، و لكني خشيت أن تكون هذه الكلمة مكفرة و أن تحبط أعمالي الصالحة، فأرجو من فضيلتكم الإفتاء عما كانت هذه الكلمة مكفرة أم لا؟ و ماذا على أن أفعل فى كلتا الحالتين؟

نص الجواب

رقم الفتوى

1581

22-أكتوبر-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 جزاك الله خيراً أيتها الأخت الكريمة على سؤالك، ونسأل الله أن يزيدك حرصاً على تعلم أمور دينك، وأن يبارك فيك

واعلمي حفظك الله أن الله أكرم العلماء ورفع قدرهم وجعلهم ورثة أنبيائه ، واستشهد بهم على إثبات أجلِّ مشهود به ، وهو وحدانيته تعالى ، وإذا كان التعدِّي على عرض المسلم والخوض فيه حرام ، فالتهكم بالعلماء والخوض في أعراضهم والاستخفاف بهم أشد حرمة ، لأنهم أولياء الله تعالى ،وقد ورد عن الإمام الشافعي رضي الله عنه قال: إن لم يكن العلماء أولياء الله فليس لله ولي .

وقال الإمام الحافظ أبو القاسم بن عساكر رحمه الله: اعلم يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة ، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب ، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم.اهـ

ولمعرفة حكم ما قلتيه ينبغي أن نذكر معني (الطاغوت)،

قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره :قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :الطاغوت هو الشيطان . وهكذا روي عن ابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والشعبي، والحسن، والضحاك، والسدي.

ومعنى قوله في الطاغوت: إنه الشيطان قوي جدًّا فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية، من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها.اهـ

وإذا ما علمت أختي الكريمة معنى الطاغوت ، فلا يجوز أبداً أن يوصف به مسلم من عموم المسلمين ، فضلاً عن أن يكون من أكابر المفسرين مثل هذا الإمام الكبير، الإمام القرطبي رحمه الله ، وكل من أنصف علم أن المسلمين عيال في تفسير القرآن الكريم خاصة في باب الأحكام على تفسيره

فإن كان هذا الوصف قد صدر منك وقد خانتك العبارة ، من باب سبق اللسان ،بمعنى أنه كلام غير مقصود ، فهو خطأ ، وليس بكفر ،وعدم القصد لا يوجب كفراً ،ولا يدل على رِدَّة قائله، وإنما هو مجرد معصية ، يجب أن تتوبي منها ، وأن تستغفري الله تعالى منها  ، وأن تكوني أكثر وأشد أدباً مع العلماء .

وأما تعمد إلصاق هذا الوصف بمسلم فضلاً عن أن يكون عالماً كالإمام القرطبي فهو إثم كبير ، وظلم واضح ، وتعدٍّ على العلماء ، وأخشى إن كان مصحوباً بإرادة وصف الشيطان أن يكون من باب تكفير المسلم ، لأن من المعروف بداهة أن الشيطان كافر ، وأنه باب الغواية والفساد.

وقد ذكر العلماء أن من كفر مسلماً  بغير تأويل استحق الذم وربما كان هو الكافر. 

 فعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لاَ يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلاً بِالْفُسُوقِ وَلاَ يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إِلاَّ ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ"رواه البخاري

قال الحافظ ابن حجر في الفتح :والحاصل أن المقول له إن كان كافرا كفرا شرعيا فقد صدق القائل وذهب بها المقول له، وإن لم يكن رجعت للقائل معرة ذلك القول وإثمه.اهـ 

 وننصحك أخني الكريمة ـ وأنت كما ذكرت طالبة علم وتحملين كتاب الله تعالى ـ أن تكوني أكثر تمهلاً وتريثاً عند الكلام ، فالعجلة مذمومة على كل حال ، ويجب على العاقل أن يزن كلامه في نفسه قبل أن يبوح به ، فإن كان يرضي الله تعالى نطق به ، وإلا أمسك ، كما يقول الشاعر:

وَزِن الكلام إذا نطقت ولاتكن            ثرثارة في كل ناد تخطب                   

واحفظ لسانك واحترز من لفظه        فالمرء يسلم باللسان ويعطب

والله الموفق. 

 

 

  • والخلاصة

    يجب توقير العلماء والتأدب معهم ، وإكرام سيرتهم إذا ذكروا على كل حال ، كما يجب صيانة اللسان عن أعراضهم ، وما حدث منك بغير قصد ليس كفراً ولا يوجب ردةً ، وهو خطأ يجب أن تتوبي إلى الله منه ، وأن تستغفري الله عليه ، والله الموفق.