عنوان الفتوى: حكم إطالة شعر الرأس

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

هل يجوز أن يكون شعر الرأس طويلاً أم لا ؟ أريد إثباتاً من القرآن والحديث والمذاهب الأربعة ..

نص الجواب

رقم الفتوى

1519

22-أكتوبر-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ الكريم على سؤالك، ونسأل الله أن يزيدك حرصاً على تعلم أمور دينك، وأن يبارك فيك.

واعلم حفظك الله أن من السنة عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إطالة شعر الرأس، فقد كان صلى الله عليه وسلم يُسدل شعره على جبهته موافقة لأهل الكتاب، لأنه كان يحب موافقتهم في ما  لم ينزل عليه فيه شرع  تأليفاً لقلوبهم على الإسلام، ثم فَرَقَ شعره بعد ذلك كما كان يفعل المشركون، لما دخلوا في الإسلام .

فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: ( كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ أَشْعَارَهُمْ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ فَسَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاصِيَتَهُ ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ). رواه مسلم

قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم: قَالَ الْقَاضِي : سَدْل الشَّعْر إِرْسَاله. قَالَ : وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا عِنْد الْعُلَمَاء إِرْسَاله عَلَى الْجَبِين وَاِتِّخَاذه كَالْقُصَّةِ... ، وَأَمَّا الْفَرْق فَهُوَ فَرْق الشَّعْر بَعْضه مِنْ بَعْض . قَالَ الْعُلَمَاء : وَالْفَرْق سُنَّة لِأَنَّهُ الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالُوا : فَالظَّاهِر أَنَّهُ إِنَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ بِوَحْيٍ لِقَوْلِهِ : ( إِنَّهُ كَانَ يُوَافِقُ أَهْل الْكِتَاب فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ )... ثم قال النووي رحمه الله :  وَالْحَاصِل أَنَّ الصَّحِيح الْمُخْتَار جَوَاز السَّدْل وَالْفَرْق، وَأَنَّ الْفَرْق أَفْضَل. وَاللَّهُ أَعْلَمُ .اهـ 

 وكان رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيضاً يطيل شعره إلى شحمة أذنيه، وأحياناً يطيله إلى عاتقه، وأحياناً كان يصل شعره إلى منكبه، كما روى مسلم في صحيحه عن الْبَرَاءِ رضي الله عنه قال :( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مَرْبُوعًا بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ عَظِيمَ الْجُمَّةِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).

قال النووي في شرحه على صحيح مسلم : وَفِي رِوَايَة : ( مَا رَأَيْت مِنْ ذِي لِمَّة أَحْسَن مِنْهُ )، وَفِي رِوَايَة : ( كَانَ يَضْرِبُ شَعْره مَنْكِبَيْهِ ) ، وَفِي رِوَايَة : (إِلَى أَنْصَاف أُذُنَيْهِ)، وَفِي رِوَايَة : ( بَيْن أُذُنَيْهِ وَعَاتِقه ) . قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْجُمَّة أَكْثَر مِنْ الْوَفْرَة، فَالْجُمَّة الشَّعْر الَّذِي نَزَلَ إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ، وَالْوَفْرَة مَا نَزَلَ إِلَى شَحْمَة الْأُذُنَيْنِ، وَاللِّمَّة الَّتِي أَلَمَّتْ بِالْمَنْكِبَيْنِ . قَالَ الْقَاضِي : وَالْجَمْع بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَات أَنَّ مَا يَلِي الْأُذُن هُوَ الَّذِي يَبْلُغُ شَحْمَة أُذُنَيْه ، وَهُوَ الَّذِي بَيْن أُذُنَيْهِ وَعَاتِقه، وَمَا خَلْفَهُ هُوَ الَّذِي يَضْرِب مَنْكِبَيْهِ .اهـ

وقال الإمام البجيرمي من الشافعية في حاشيته:وَحَاصِلُ الْأَحَادِيثِ :

 أَنَّ شَعْرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُصِفَ بِأَنَّهُ جَمَّةٌ وَوُصِفَ بِأَنَّهُ وَفْرَةٌ، وَوُصِفَ بِأَنَّهُ لِمَّة،ٌ وَفُسِّرَتْ اللِّمَّةُ بِالشَّعْرِ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَى شَحْمَةِ الْأُذُنِ وَالْجُمَّةُ بِاَلَّذِي يَنْزِلُ عَلَى الْمَنْكِبَيْنِ قَالَ بَعْضُهُمْ : { كَانَ شَعْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْصُرُ وَيَطُولُ بِحَسَبِ الْأَوْقَاتِ }. فَإِذَا غَفَلَ عَنْ تَقْصِيرِهِ وَصَلَ إلَى مَنْكِبِهِ وَإِذَا قَصَّرَهُ تَارَةً يَنْزِلُ عَلَى شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَتَارَةً لَا يَنْزِلُ عَنْهَا .اهـ

وذهب الحنابلة إلى استحباب إطالة الشعر على كل حال.

 قال ابن قدامة كما في الشرح الكبير : (واتخاذ الشعر أفضل من إزالته. قال إسحاق: سئل أبو عبد الله عن الرجل يتخذ الشعر؟ قال :سنة حسنة، لو أمكننا اتخذناه، وقال :كان للنبي صلى الله عليه وسلم جمة ،وقال في بعض الحديث :إن شعر النبي صلى الله عليه وسلم كان إلى شحمة أذنه، وفي بعض الحديث إلى منكبيه ... ويستحب أن يكون شعر الإنسان على صفة شعر النبي صلى الله عليه وسلم إذا طال فإلى المنكب وإذا قصر فإلى شحمة الأذن وإن طوله فلا بأس، نَصَّ عليه أحمد.اهـ والله أعلم .

(تنبيه): ينبغي فيمن أطال شعرة أن يكون قصدة اتباع السنة وتحقيق متابعته صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأحوال والصفات وأن يكون بعيداً عن التشبه بالجنس الآخر وقد ذكر الإمام ابو عمر ابن عبد البر في كتابه التمهيد تنبيها حسناً الحقناه بهذا التقرير حتى يقف القاري على ظروف الا حوال والأزمان والأشخاص فقال رحمه الله تعالى(  قد حلق الناس رؤوسهم وتقصصوا وعرفوا كيف ذلك قرنا بعد قرن من غير نكير والحمد لله ، وصار أهل عصرنا لا يحبس الشعر منهم إلا الجند عندنا لهم الجمم والوفرات وأضرب عنها أهل الصلاح والستر والعلم حتى صار ذلك علامة من علاماتهم وصارت الجمم اليوم عندنا تكاد تكون علامة السفهاء وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من تشبه بقوم فهو منهم أو حشر معهم فقيل من تشبه بهم في أفعالهم وقيل من تشبه بهم في هيئاتهم وحسبك بهذا فهو مجمل في الاقتداء بهدى من الصالحين على أي حال كانوا والشعر والحلق لا يغنيان يوم القيامة شيئا وإنما المجازاة على النيات والأعمال فرب محلوق خير من ذي شعر ورب ذي شعر رجلا صالحا وقد كان التختم في اليمين مباحا حسنا لأنه قد تختم به جماعة من السلف في اليمين كما تختم منهم جماعة في الشمال وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم الوجهان جميعا.

فلما غلبت الروافض على التختم في اليمين ولم يخلطوا به غيره كرهه العلماء منابذة لهم وكراهية للتشبه بهم لا أنه حرام ولا أنه مكروه وبالله التوفيق أهـ.

  • والخلاصة

    يستحب أن يكون شعر الإنسان على صفة شعر النبي صلى الله عليه وسلم إذا طال فإلى المنكب وإذا قصر فإلى شحمة الأذن وإن طوله فلا بأس بعيداً عن التشبه ولينو نية صادقة في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم فله الأجر والثواب ، والله أعلم