عنوان الفتوى: حكم صلة العصاة من الأرحام

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

اخت زوجتي متزوجه من رجل يعمل في الملاهي الليلية طوال الليل! وانا رجل ملتزم دينيا. السؤال:1) انا امنع زوجتي من الذهاب الى بيت أختها واسمح لأختها أن تزورها ولا أطيق ان يحضر زوج أختها الى بيتي لعمله في الحرام علما بأني نصحته أن يغير عمله ولم يقتنع, فهل أنا على حق في هذا التصرف ؟ 2)ماحكم تناول الطعام في بيته مع العلم بانه يحصل على ماله من حرام ؟

نص الجواب

رقم الفتوى

1419

05-سبتمبر-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فبارك الله فيك أخي السائل على حرصك وتحريك، ونرى أن سؤالك له ثلاثة أبعاد:

حكم صلة العصاة من ذوي الأرحام:

نذكرك بهذا الحديث في صحيح البخاري عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُ أُمِّي قَالَ نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ" وقد أخرجه البخاري رحمه الله في باب صلة الوالد المشرك وباب الهدية للمشركين! وعليه فإن حسن الصلة مع المسلم العاصي أولى لما فيه من استمرار النصح بالحكمة والموعظة الحسنة، دون أن يشعر منك بأنك أفضل منه لأنه عاص وأنت ملتزم! ويحسن أن أذكر لك ما ورد في كتاب تاريخ بغداد - (ج 6 / ص 112) كان لأبي حنيفة جار بالكوفة إسكاف يعمل نهاره أجمع حتى إذا جنه الليل رجع إلى منزله وقد حمل لحماً فطبخه أو سمكة فيشويها ثم لا يزال يشرب حتى إذا دب الشراب فيه غنى بصوت وهو يقول:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم وكان أبو حنيفة يسمع جلبته وأبو حنيفة كان يصلي الليل كله ففقد أبو حنيفة صوته فسأل عنه فقيل: أخذه العسس منذ ليال وهو محبوس فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غد وركب بغلته واستأذن على الأمير قال: الأمير إيذنوا له واقبلوا به راكبا ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط ففعل ولم يزل الأمير يوسع له من مجلسه وقال ما حاجتك؟ قال: لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ليال يأمر الأمير بتخليته فقال: نعم وكل من أخذه بتلك الليلة إلى يومنا هذا فأمر بتخليتهم أجمعين فركب أبو حنيفة والإسكافي يمشي وراءه فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه فقال: يا فتى أضعناك قال: لا بل حفظت ورعيت جزاك الله خيراً عن حرمة الجوار ورعاية الحق وتاب الرجل ولم يعد إلى ما كان" فانظر إلى تصرف الإمام أبي حنيفة مع جاره شارب الخمر كيف أثمر التوبة؟!

المسألة الثانية: منع زوجتك من الذهاب إلى بيت أختها؟

فإن كان جو بيت أختها غارقاً في المعاصي كما هو حال عمل زوجها في الملاهي الليلية فأنت على حق في ذلك، سيما وأنك لا تمنع أختها من زيارتها! فإن الإنسان الذي لا يتمتع بحصانة إيمانية عالية تجعله يؤثر في العصاة؛ فإنه يخشى عليه أن يتأثر بهم وينجرف في جو المعصية، أو يصبح يراها وكأنها أمر غير مستقبح أو غير منكر!

المسألة الثالثة: حكم الأكل عند أناس طعامهم من مال حرام:

فإن الإنسان المسلم إذا كان متيقناً من أن مال مضيفه من حرام فلا يجوز له أن يأكل عنده إلا إن وصل إلى حالة الاضطرار قال تعالى "فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ" سورة البقرة وقد ورد في كتاب الرياض النضرة في مناقب العشرة - (ج 1 / ص 92)عن عائشة قالت كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يوماً بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام تدري ما هذا فقال أبو بكر ما هو قال كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني فهذا الذي أكلت منه فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه أخرجه البخاري وعن زيد بن أرقم قال كان لأبي بكر غلام يغل عليه فأتاه ليلة بطعام فتناول منه لقمة فقال له المملوك مالك كنت تسألني كل ليلة ولم تسألني الليلة فقال حملني على ذلك الجوع من أين جئت بهذا قال مررت بقوم في الجاهلية فرقيت لهم فوعدوني فلما أن جاء اليوم مررت بهم فإذا عرس لهم فأعطوني فقال أف لك وكدت تهلكني فأدخل يده في حلقه وجعل يتقيأ وجعلت لا تخرج فقيل له إن هذه لا تخرج إلا بالماء فدعا بعس ماء فجعل يشرب ويتقيأ حتى رمى بها فقيل له يرحمك الله كل هذا من أجل هذه اللقمة فقال لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة " خرجه في الصفوة والملاء في سيرته.

  • والخلاصة

    إن حسن الصلة مع الأرحام واجبة ولو كانوا من العصاة، وإن اعتزال جو المعصية واجب، يجب البعد عن الأكل من مائدة مال صاحبها من حرام. والله أعلم