عنوان الفتوى: سعة الأمر في صلاة التراويح

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

كيف يكون عدد ركعات صلاة التراويح ثمانية؟ لأن الصحابة أجمعوا على العشرين في عهد عمر رضي الله عنه، وهذا حينما كانت أم المؤمنين عائشة على قيد الحياة ولم تنكرها؟ أفيدوني بأدلة القائلين بالثمانية؟ والله يجزل لكم الثواب في الدارين.

نص الجواب

رقم الفتوى

13989

15-ديسمبر-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فاعلم فقهني الله وإياك في دينه أن المشهور عند المذاهب الأربعة في عدد ركعات صلاة التراويح أنها عشرون ركعة، وهذا ما كان عليه عمل الصحابة في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو المروي في الموطأ وغيره، ففي الموطأ عن يزيد بن رومان أنه قال: (كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي رَمَضَانَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً).

وأما من ذهب إلى الاقتصار على إحدى عشرة ركعة فلعله استند إلى أمورٍ:

أولها: ما في موطأ مالك والصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت: كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فقالت: (مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا).

ثانيها: ما في موطأ مالك أيضاً عن السائب بن يزيد أنه قال: (أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً). وهذا ما كان في أوَّل الأمر.

قال العلامة الخرشي في شرح مختصر خليل: (ثم رأى عمر أن يجمعهم على إمام فأمر أبيا وتميما الداري أن يصليا بهم إحدى عشرة ركعة بالوتر يقرأون بالمئين فثقل عليهم فخفف في القيام وزيد في الركوع فكانوا يقومون بثلاث وعشرين ركعة بالوتر).

وقد أورد العلامة زروق في شرح الرسالة عن مالك أنه قال: (الذي آخذ به في نفسي ما كان عليه السلام يفعله وهي الاثنتا عشرة ركعة، ثم يوتر بواحدة).

والجواب عما تقدم بما يلي: 

1- أما حديث عائشة فلا يعارض ما صح عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يصلون التراويح عشرين ركعة، وذلك لأن حديث عائشة رضي الله عنها لا يدل على منع الزيادة على إحدى عشرة ركعة بأي وجهٍ من الوجوه، ولذا فإن عائشة رضي الله عنها وهي راوية الحديث لم تنكر على الصحابة صنيعهم في الزيادة.

بل إن الأحاديث الصحيحة تدل على عدم المنع من الزيادة، ففي موطأ مالك والصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ مَا تَرَى فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ قَالَ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى).

ولذا كان أئمة التابعين ومن بعدهم يكثرون من عدد الركعات في صلاة الليل، فمنهم من كان يصلي ثلاث مائة ركعة كما كان أحمد بن حنبل يفعل، فلما ضعف اقتصر على مئة وخمسين ركعة، ومنهم من كان يصلي بأكثر من ذلك أو أقل. 

كما أن حديث عائشة رضي الله عنها يمكن أن يحمل على غالب أمر النبي صلى الله عليه وسلم في القيام، أو أنها ذكرت ما رأته هي، وإلا فقد ورد أنه كان يصلي أكثر من ثمان، ففي الموطأ أيضاً عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ).

وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (نِمْتُ عِنْدَ مَيْمُونَةَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَقُمْتُ عَلَى يَسَارِهِ فَأَخَذَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَصَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً).

كما يمكن أن يحمل حديث عائشة رضي الله عنها على خصوص صلاة الوتر، وإلى هذا ذهب الشافعية والحنابلة، ففي المجموع للإمام النووي الشافعي: (ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل، وأكثره إحدى عشرة ركعة لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر فيها بواحدة).

وقال البهوتي الحنبلي في شرح منتهى الإرادات: (وأكثره أي: الوتر إحدى عشرة ركعة ... لحديث عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة).

وقد أراد بعض أهل العلم الجمع بين الروايتين كما فعل الشيخ الملا علي القاري الحنفي في مرقاة المفاتيح.. فاعتبر أن صلاة التراويح إحدى عشرة ركعة سنة وأن صلاتها عشرين ركعة مستحبة فهي سنة الخلفاء الراشدين، وقد تعرض للمسألة بالتفصيل.

2- وأما حديث السائب والذي فيه أن عمر أمَرَ أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، فقد رجح الإمام الحافظ ابن عبد البر المالكي في الاستذكار أن رواية الإحدى عشرة وَهْمٌ، فقال: (هكذا قال مالك في هذا الحديث إحدى عشرة ركعة. وغير مالك يخالفه فيقول في موضع: إحدى عشرة ركعة، إحدى وعشرين، ولا أعلم أحداً قال في هذا الحديث: إحدى عشرة ركعة غير مالك والله أعلم. إلا أنه يحتمل أن يكون القيام في أول ما عمل به عمر - بإحدى عشرة ركعة، ثم خفف عليهم طول القيام، ونقلهم إلى إحدى وعشرين ركعة، يخففون فيها القراءة، ويزيدون في الركوع والسجود، إلا أن الأغلب عندي في إحدى عشرة ركعة - الوهم).

3- وأما ما نقله العلامة زروق وابن ناجي عن مالك فيقدم عليه ما هو مشهور مذهب مالك الذي صدر به الإمامان ابن أبي زيد وخليل مِنْ أنَّ صلاة التراويح عشرون ركعة، والوتر بعدها ثلاث ركعات.

 وأما منع الزيادة على إحدى عشرة فهو قول مدفوعٌ بالأدلة وفعل السلف والخلف. والله أعلم

  • والخلاصة

     ليس في صلاة التراويح تضييق، ولا حد ينتهى إليه؛ إلا أن الأفضل المحافظة على العشرين، لأن ذلك هو الذي كان عليه الصحابة في زمن عمر رضي الله عنه، وهو المقرر في المذاهب الأربعة. والله أعلم