عنوان الفتوى: معنى قوله تعالى: { بل يداه مبسوطتان }

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ما معنى قوله تعالى: { بل يداه مبسوطتان } وأمثال هذه الآيات ؟ وهل في معناها خلاف؟ وما هو المعتمد في ذلك ؟  

نص الجواب

رقم الفتوى

1381

13-أكتوبر-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فآيات الصفات سلك فيها العلماء مسلكان:

الأول: مذهب السلف، وهو الإقرار والإمرار، وعدم التعرض لتفسيرها أو تأويلها وهو المذهب الذي يعبر عنه بـ (التفويض).

والمقصود بالتفويض هو تفويض الكيف والمعنى، ورد العلم بذلك إلى العليم الخبير سبحانه.

الثاني: مذهب الخلف، وهو تأويل النصوص الموهمة للحدوث أو التركيب بما يليق بها لغة بحسب السياق الذي وردت فيه.

وإليك أخي السائل بعض أقوال أهل العلم في تقرير المذهبين، وذكر المسلكين:

ورد في تفسير القرطبي المالكي  - (ج 1 / ص 89) عن الإمام مالك رحمه الله أن رجلاً سأله عن قوله تعالى : { الرحمن عَلَى العرش استوى } [ طه : 5 ] قال مالك : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة، وأراك رجل سَوْء! أخرجوه"

وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: ( نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى، ولا نرد منها شيئاً، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق إذا كانت بأسانيد صحاح، ولا نرد على رسول الله قوله، ولا يوصف الله تعالى بأكثر مما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ).

وقال الإمام محمد بن الحسن الشيباني تلميذ مالك وشيخ الشافعي: ( اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل؛ من غير تغيير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وفارق الجماعة، فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا ).

وقال الإمام القاضي عياض المالكي: ( لَا خِلَاف بَيْن الْمُسْلِمِينَ قَاطِبَة فَقِيههمْ وَمُحَدِّثهمْ وَمُتَكَلِّمهمْ وَنُظَّارهمْ وَمُقَلِّدهمْ أَنَّ الظَّوَاهِر الْوَارِدَة بِذِكْرِ اللَّه تَعَالَى فِي السَّمَاء كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء أَنْ يَخْسِف بِكُمْ الْأَرْض} وَنَحْوه لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرهَا، بَلْ مُتَأَوَّلَة عِنْد جَمِيعهمْ... وَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَا الَّذِي جَمَعَ أَهْل السُّنَّة وَأَلْحَقَ كُلّهمْ عَلَى وُجُوب الْإِمْسَاك عَنْ الْفِكْر فِي الذَّات كَمَا أُمِرُوا، وَسَكَتُوا لِحِيرَةِ الْعَقْل، وَاتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيم التَّكْيِيف وَالتَّشْكِيل، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ وُقُوفهمْ وَإِمْسَاكهمْ غَيْر شَاكّ فِي الْوُجُود وَالْمَوْجُودَ، وَغَيْر قَادِح فِي التَّوْحِيد، بَلْ هُوَ حَقِيقَته، ثُمَّ تَسَامَحَ بَعْضهمْ بِإِثْبَاتِ الْجِهَة خَاشِيًا مِنْ مِثْل هَذَا التَّسَامُح، وَهَلْ بَيْن التَّكْيِيف وَإِثْبَات الْجِهَات فَرْق؟).

وقال الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري شرح صحيح البخاري: (وقد اختلف في معنى النزول على أقوال:

- فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته وهم المشبهة تعالى الله عن قولهم.

- ومنهم من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة وهم الخوارج والمعتزلة وهو مكابرة ...

- ومنهم من أجراه على ما ورد مؤمناً به على طريق الإجمال منزهاً الله تعالى عن الكيفية والتشبيه وهم جمهور السلف، ونقله البيهقي، وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين والحمادين والأوزاعي والليث وغيرهم.
- ومنهم من أوله على وجه يليق مستعمل في كلام العرب.

- ومنهم من أفرط في التأويل حتى كاد أن يخرج إلى نوع من التحريف.

ومنهم من فصل بين ما يكون تأويله قريباً مستعملاً في كلام العرب وبين ما يكون بعيداً مهجوراً فأول في بعض وفوض في بعض، وهو منقول عن مالك وجزم به من المتأخرين ابن دقيق العيد. قال البيهقي: وأسلمها الإيمان بلا كيف والسكوت عن المراد إلا أن يرد ذلك عن الصادق فيصار إليه، ومن الدليل على ذلك اتفاقهم على أن التأويل المعين غير واجب فحينئذ التفويض أسلم).

وكلام أهل العلم في تقرير ذلك كثير، وقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} يأتي فيه المذهبان السابقان.

فعلى المذهب الأول، يقال بتفويض العلم بمراد الله إلى الله.

وعلى الثاني: يفسر بما قاله جماعات من الأئمة، ومن ذلك ما قاله الإمام المفسر القرطبي المالكي في جامع أحكام القرآن: (بل نعمته مبسوطة؛ فاليد بمعنى النعمة.

قال بعضهم: هذا غلط ، لقوله : «بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ» فنِعَم الله تعالى أكثر من أن تحصى فكيف تكون بل نعمتاه مبسوطتان؟

وأُجيب بأنه يجوز أن يكون هذا تثنية جنس لا تثنية واحد مفرد؛ فيكون مثل قوله عليه السلام: "مَثَلُ المنافِق كالشاة العائرة بين الغنمين" فأحد الجنسين نعمة الدنيا، والثاني نعمة الآخرة. وقيل نعمتا الدنيا النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة).

وما أجاب به الإمام القرطبي صحيح من حيث اللغة ففي صحيح مسلم حين ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الدجال وفي الحديث: ( إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ).

قال الإمام النووي رحمه الله في شرح الحديث: (( لَا يَدَانِ ) بِكَسْرِ النُّون تَثْنِيَة ( يَد ) . قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ لَا قُدْرَة وَلَا طَاقَة، يُقَال: مَا لِي بِهَذَا الْأَمْر يَدٌ، وَمَا لِي بِهِ يَدَانِ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَة وَالدَّفْع إِنَّمَا يَكُون بِالْيَدِ، وَكَأَنَّ يَدَيْهِ مَعْدُومَتَانِ لِعَجْزِهِ عَنْ دَفْعه).

فكان المراد من لفظ (يدان) وهو مثنى القدرة وهي مفردة، قال الإمام بدر الدين ابن جماعة: (فإن قيل فالقدرة شيء واحد لا يثنى ولا يجمع وقد ثنيت وجمعت.
قلنا: هذا غير ممنوع فقد نطقت العرب بذلك بقولهم مالك بذلك يدان، وفي الحديث عن يأجوج ومأجوج ما لأحد يدان بقتالهم، فثنوا - أي: العرب - عند قصد المبالغة، ومنه بين يدي نجواكم صدقة، و بين يدي رحمته وأيضا فقد جاء يد الله وجاء يداه مبسوطتان وجاء بأيدينا فلو لم يحمل على القدرة، وحمل على الظاهر لزم من تصوير ذلك ما يتعالى الله عنه).

قال الإمام ابن كثير في تفسير قوله تعالى: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } : (أي: بل هو الواسع الفضل، الجزيل العطاء، الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه، وهو الذي ما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له، الذي خلق لنا كل شيء مما نحتاج إليه، في ليلنا ونهارنا، وحضرنا وسفرنا، وفي جميع أحوالنا).

وقال الإمام الكبير ابن عطية في تفسيره المحرر الوجيز: (وقوله تعالى : { بل يداه مبسوطتان } العقيدة في هذا المعنى نفي التشبيه عن الله تعالى وأنه ليس بجسم ولا له جارحة ولا يُشَبَّه، ولا يكيف ولا يتحيز في جهة كالجواهر ولا تحله الحوادث تعالى عما يقول المبطلون .
ثم اختلف العلماء فيما ينبغي أن يعتقد في قوله تعالى : { بل يداه } وفي قوله : { بيدي } [ ص : 75 ] و { عملت أيدينا } [ يس : 71 ] و { يد الله فوق أيديهم } [ الفتح : 10 ] و { لتصنع على عيني } [ طه : 39 ] و { تجري بأعيننا } [ القمر : 14 ] و { اصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } [ الطور : 48 ] { وكل شيء هالك إلا وجهه } [ القصص : 88 ] ونحو هذا ، فقال فريق من العلماء منهم الشعبي وابن المسيب وسفيان يؤمن بهذه الأشياء وتقرأ كما نصها الله ولا يُعَنُّ لتفسيرها ولا يشقق النظر فيها .
قال القاضي أبو محمد - ابن عطية - : وهذا قول يضطرب لأن القائلين به يجمعون على أنها ليست على ظاهرها في كلام العرب، فإذا فعلوا هذا فقد نظروا وصار السكون عن الأمر هذا مما يوهم العوام ويتيه الجهلة.
وقال جمهور الأمة: بل تفسر هذه الأمور على قوانين اللغة ومجاز الاستعارة وغير ذلك من أفانين كلام العرب . فقالوا في العين والأعين إنها عبارة عن العلم والإدراك، كما يقال فلان من فلان بمرأى ومسمع، إذا كان يعني بأموره وإن كان غائباً عنه، وقالوا في الوجه إنه عبارة عن الذات وصفاتها، وقالوا في اليد واليدين والأيدي إنها تأتي مرة بمعنى القدرة كما تقول العرب لا يد لي بكذا، ومرة بمعنى النعمة كما يقال لفلان عند فلان يد، وتكون بمعنى الملك كما يقال يد فلان على أرضه، وهذه المعاني إذا وردت عن الله تبارك وتعالى عبر عنها باليد أو الأيدي أو اليدين استعمالاً لفصاحة العرب ولما في ذلك من الإيجاز، وهذا مذهب أبي المعالي والحذاق، وقال قوم من العلماء منهم القاضي ابن الطيب : هذه كلها صفات زائدة على الذات ثابتة لله دون أن يكون في ذلك تشبيه ولا تحديد، وذكر هذا الطبري وغيره، وقال ابن عباس في هذه الآية، { يداه } نعمتاه، ثم اختلفت عبارة الناس في تعيين النعمتين فقيل نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، وقيل النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة، وقيل نعمة المطر ونعمة النبات.

قال القاضي أبو محمد : والظاهر أن قوله تعالى : { بل يداه مبسوطتان } عبارة عن إنعامه على الجملة وعبر عنه بيدين جرياً على طريقة العرب في قولهم فلان ينفق بكلتا يديه ومنه قول الشاعر وهو الأعشى :
يداك يدا مجد فكفٌّ مفيدة ... وكفٌّ إذا ما ضنَّ بالمال تنفق
ويؤيد أن اليدين هنا بمعنى الإنعام قرينة الإنفاق. أي: قوله تعالى: {ينفق كيف يشاء).

  • والخلاصة

    لأهل السنة والجماعة في التعامل مع نصوص الصفات مذهبان:

    الأول: تفويض العلم بها إلى الله تعالى، وترك الخوض في معانيها.

    الثاني: أن تفسر بما يليق بها بحسب قانون اللغة، وما يقبله لسان العرب في ذلك.

    وينطبق على قوله تعالى: ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) ذلك، فإما إن يُؤْمن بها ويرد العلم بمعناها إلى الله تعالى.

    وإما أن تفسر بما يليق بها لغة بحسب سياقها، وهي هنا بمعنى النعمة كما ذكره المفسرون. والله تعالى أعلى وأعلم