عنوان الفتوى: مشروعية دعاء اللطف في القضاء

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

 ماهو حكم الدعاء : " اللهم إنا لا نسألك رد القضاء، ولكن نسألك اللّطف فيه" ؟

نص الجواب

رقم الفتوى

1317

10-أغسطس-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 فهذا الدعاء لم نعثر عليه بهذا اللفظ فيما أثرعن الرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابة أو التابعين. لكن ورد بمعنى قريب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في الدعاء: (وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ) رواه أحمد وأصحاب السنن. ومعلوم أن قضاء الله تعالى على قسمين:

القسم الأول: القضاء الذي في أم الكتاب، فهذا لا يرده شيء، لأنه متعلق بعلم الله الذي لا يجوز أن يكون في الوجود شيء على خلافه، فإن قصد العبد بقوله: (لا أسألك رد القضاء - أي: لا أسألك رد القضاء الذي لا يتغير وهو الذي في أم الكتاب - ولكن أسألك اللّطف فيه)، فهذا لا مانع منه، فيطلب العبد من الله تعالى أن يلطف به في هذا القضاء.

القسم الثاني: القضاء المعلق، وهو الموصوف في القرآن بقول الله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} (الرعد:39)، فهذا القضاء ينبغي أن يسلك العبد في رده الوسائل الشرعية، فالدعاء يرد القضاء، وصلة الرحم ترد القضاء في الرزق والأجل، والذنب يرد المُقدَّر من الرزق، فإن العبد يُحْرمُ الرزقَ بالذنبِ يُصِيْبُه، فمثل هذا القضاء، أعني القضاء المعلق لا يليق بالمسلم أن يقف عاجزاً أمامه بقوله: (لا أسألك رد القضاء)، وقد فتح الله له باباً لرده وهو الدعاء، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ) رواه الترمذي وحسنه، والطبراني في المعجم الكبير وغيرهما. ورواه أحمد وابن ماجه والحاكم عن ثوبان بلفظ: (وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ).

والمقصود برد القضاء أي المعلق المكتوب في اللوح المدفوع للملك، مثلاً كتب فيه: إن أطاع فلان فعمره كذا وإلا فعمره كذا، والله سبحانه وتعالى عالم بالواقع منهما، فما يقوم به العبد في هذه الحالة هو ردُّ قضاء بقضاء.

قال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: (وَأَمَّا التَّأْخِير فِي الْأَجَل فَفِيهِ سُؤَال مَشْهُور، وَهُوَ أَنَّ الْآجَال وَالْأَرْزَاق مُقَدَّرَة لَا تَزِيد وَلَا تَنْقُص، {فَإِذَا جَاءَ أَجَلهمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} - فكيف تكون الزيادة - ؟

وَأَجَابَ الْعُلَمَاء بِأَجْوِبَةٍ الصَّحِيح مِنْهَا:

1- أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة بِالْبَرَكَةِ فِي عُمْره، وَالتَّوْفِيق لِلطَّاعَاتِ، وَعِمَارَة أَوْقَاته بِمَا يَنْفَعهُ فِي الْآخِرَة، وَصِيَانَتهَا عَنْ الضَّيَاع فِي غَيْر ذَلِكَ.

2- وَالثَّانِي أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَظْهَر لِلْمَلَائِكَةِ وَفِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، وَنَحْو ذَلِكَ، فَيَظْهَر لَهُمْ فِي اللَّوْح أَنَّ عُمْره سِتُّونَ سَنَة إِلَّا أَنْ يَصِل رَحِمه فَإِنْ وَصَلَهَا زِيدَ لَهُ أَرْبَعُونَ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى مَا سَيَقَعُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: {يَمْحُو اللَّه مَا يَشَاء وَيُثْبِت} فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْم اللَّه تَعَالَى، وَمَا سَبَقَ بِهِ قَدَره لَا زِيَادَة بَلْ هِيَ مُسْتَحِيلَة، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ظَهَرَ لِلْمَخْلُوقِينَ تُتَصَوَّر الزِّيَادَة، وَهُوَ مُرَاد الْحَدِيث).

ولهذا روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول: (اللهم إن كنت كتبتني في السعداء فأثبتني فيهم، وإن كنت كتبتني في الأشقياء فامحني من الأشقياء واكتبني في السعداء، فإنك: تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب). وروي مثل ذلك عن عبد الله بن مسعود.

 

 

  • والخلاصة

    إن قصد العبد بقوله: (لا أسألك رد القضاء - أي: لا أسألك رد القضاء الذي لا يتغير وهو الذي في أم الكتاب - ولكن أسألك اللّطف فيه)، فهذا لا مانع منه، مع العلم أن الدعاء يرد القضاء المعلق، فينبغي للمسلم أن يطلب من الله أن يدفع عنه قضاء الشر، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الدعاء: (وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ) رواه أحمد وأصحاب السنن.