عنوان الفتوى: حكم العزلة عند أهل التزكية بالمفهوم القديم والمعاصر

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

من أركان السلوك عند بعض علماء التزكية العزلة، فما هو تعريف العزلة ؟ هل يعني أن أبقى ماكثاً في البيت ولا أخرج بتاتا، ولا أختلط بالناس؟ أم أن مفهوم العزلة في زمن السلف الصالح يختلف عن مفهوم العزلة في وقتنا الحاضر؟

نص الجواب

رقم الفتوى

13162

27-أكتوبر-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فالعزلة يقصد بها: أن ينفرد الإنسان عن الناس وأحوالهم وشؤونهم، ليحاسب نفسه، ويعالج أمراض قلبه، ويشغل نفسه بالذكر والتفكر في نعم الله وعجائب صنعه، وهذا المعنى للعزلة لا خلاف فيه بين السلف والخلف.

والأصل في الإنسان مخالطته للناس ومباشرته للحياة والقيام على بنائها وإحيائها والسعي في إثراء حضارتها ورفع شأنها، والذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير ممن لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم، فإذا غلبت الخلطة على الشخص ولم تشغله عن تحقيق إخلاصه فلا يحتاج الى عزلة أصلاً، ومن شغلته المخالطة للناس عن تحقيق العبودية وإفراد القلب لله تعالى فيحتاح إلى عزلة لفترة معينة وهي فترة زمنية علاجية تربوية لا غير، تنتهي بانتهاء الغرض المقصود منها. وتتحقق بالصلوات التي افترضها الله تعالى، وبالنوافل التي يتقرب بها إلى الله تعالى، وبالاعتكاف المسنون في العشر الأواخر من رمضان، وبقيام الليل وكثرة ذكر الله تعالى.  وعلى المسلم أن يكثر من ذكر الله تعالى بقلب حاضر خاشع، وأن يتفكر في آلائه تعالى آناء الليل وأطراف النهار حتى يصح له تحقيق المقصود من صدق العبودية والإخلاص لله تعالى، وتحققه من البينة التي أشار إليها القرآن الكريم {أفمَنْ كان على بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ويتلوهُ شاهدٌ مِنْهُ} ، والعزلة بضوابطها السابقة إنما هي امتثال لأمر الله تعالى في كتابه العزيز، وتأسٍّ واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقد كان يخلو بغار حراء يتعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء.

وقد عرفها الإمام أحمد زروق المالكي في قواعده فقال: (الخلوة أخص من العزلة، وهي بوجهها وصورتها نوع من الاعتكاف، ولكن لا في المسجد، وربما كانت فيه، وأكثرها عند القوم لا حدَّ له ... إذ هي أصل المواعدة، وجاور عليه الصلاة والسلام بحراء شهراً كما جاء في مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جاورت بحراء شهراً، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي..."، وهي للكامل زيادة في حاله، ولغيره ترقية ... والقصد بها تطهير القلب من أدناس الملابسة، وإفراد القلب لذكر واحد، وحقيقة واحدة).

 وبهذا تكون قد ثبتت مشروعيتها في القرآن الكريم، قال تعالى: {واذكرِ اسْمَ ربِّكَ وتَبَتَّلْ إليه تبتيلاً} [المزمل: 8].

وكل أمرٍ أُمِر به صلى الله عليه وسلم فهو تشريع له ولأمته إلا فيما خُصَّ به، وخصوصياته معروفة، وهذا الأمر في هذه الآية المذكورة عام له ولأمته. والله أعلم

  • والخلاصة

    الأصل في الإنسان مخالطته للناس ومباشرتة للحياة والقيام على بنائها وإحيائها والسعي في إثراء حضارتها ورفع شأنها، والذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير ممن لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم، فمن استطاع تفريغ قلبه بكثرة ذكره وتفكره فلا يحتاج إلى عزلة، وتتحقق العزلة بالصلوات التي افترضها الله تعالى، وبالنوافل التي يتقرب بها إلى الله تعالى، وبالاعتكاف المسنون في العشر الأواخر من رمضان، وبقيام الليل وكثرة ذكر الله تعالى وأعلم.