عنوان الفتوى: حكم العدول عن صلاة الجماعة إلى الصلاة منفرداً لاستحضار الخشوع

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

سؤالي هو حول مسألة الخشوع في الصلاة، حيث قرأت أن الإمام حجة الإسلام الغزالي قد رجح صلاة الإنسان في بيته على صلاة الجماعة من أجل الخشوع، ورده السبكي بعبارة تُكتب بماء الذهب حين قال : (البركة كل البركة في الاتباع ومجاهدة النفس على الخشوع فإن يأت فبها ونعمت وإلا فترك الخشوع لمتابعة السنة خشوع خير من الخشوع الحاصل مع الانفراد). يعني أن الإامام الغزالي قد رجح الصلاة في البيت إذا كانت الصلاة في البيت فيها خشوع أكثر، فرد عليه الإمام السبكي بما يناقض قوله. أنا يا سيدي أريد ان آخذ برأي الإمام الغزالي في هذه المسألة، فما رأي الشرع في ذلك؟؟؟

نص الجواب

رقم الفتوى

13161

12-أكتوبر-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ السائل، وشرح صدرك، وبارك فيك

واعلم أنه لا يصح العدول عن صلاة الجماعة بحجة أن المسلم  إذا صلى منفرداً كان أكثر خشوعاً وقرَّر السادة المالكية أن من صلى الفريضة منفرداً ولم يكن إماماً راتباً فيندب له إعادتها، قال الشيخ النفراوي المالكي رحمه الله في الفواكه الدواني: (ومن صلى وحده) فريضة أو صلاها مع صبي ولم يكن إماما راتبا صلى في محله بشرطه (فله) على جهة الندب (أن يعيد) صلاته ولو في وقت الضرورة (في الجماعة)، اثنين فأكثر لا مع واحد إلا أن يكون إماما راتبا،...ولو كان صلاها وحدها أول الوقت للاتفاق على أفضلية الجماعة على الانفراد.

وذهب الشافعية على المختار من المذهب، بل هو الصواب ـ والإمام الغزالي رحمه الله شافعي المذهب، إلى أن حضور الجماعة ولو من غير خشوع أولى من الصلاة منفرداً ولو مع الخشوع، إذ أن صلاة الجماعة فرض كفاية، والخشوع سنة على الصحيح من المذهب، وقد اتفق الفقهاء على أن فرض الكفاية مقدَّم على السنة.

قال العلامة ابن حجر الهيتمي الشافعي رحمه الله في تحفة المحتاج: "وَلَوْ تَعَارَضَ الْخُشُوعُ وَالْجَمَاعَةُ فَهِيَ أَوْلَى كَمَا أَطْبَقُوا عَلَيْهِ حَيْثُ قَالُوا: إنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنْ السُّنَّةِ وَأَيْضًا فَالْخِلَافُ فِي كَوْنِهَا فَرْضَ عَيْنٍ وَكَوْنِهَا شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ أَقْوَى مِنْهُ فِي شَرْطِيَّةِ الْخُشُوعِ".

 كما أن شعار الإسلام قائم بها أكثر من الخشوع، فلتكن مراعاتها أحق، ولو فُتح ذلك الباب لتركها الناس متعللين بأنهم لا يحصل لهم معها خشوع، فتسقط عنهم، فوجب سد هذا الباب بالكلية.

وقال العلامة الرملي الشافعي رحمه الله في نهاية المحتاج: "وَأَفْتَى الْغَزَالِيُّ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا خَشَعَ: أَيْ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ، وَلَوْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ لَمْ يَخْشَعْ فَالِانْفِرَادُ أَفْضَلُ، وَتَبِعَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ تَبَعًا لِلْأَذْرَعِيِّ: وَالْمُخْتَارُ بَلْ الصَّوَابُ خِلَافُ مَا قَالَاهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِمَا مَرَّ مِنْ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْخِلَافِ فِي كَوْنِ الْخُشُوعِ شَرْطًا فِيهَا، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الرَّاجِحُ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَأَنَّهُ سُنَّةٌ".

 ثم إن الإمام الغزالي رحمه الله له فتوى أخرى تتنافى مع فتواه السابقة، وذلك في حق من لازم الرياضة في الخلوة حتى صارت طاعاته تتفرق عليه بالاجتماع بأنه رجل مغرور، إذ ما يحصل له في الجماعة من الفوائد أعظم من خشوعه وانفراده.

قال العلامة ابن حجر الهيتمي الشافعي رحمه الله في تحفة المحتاج: "ثُمَّ رَأَيْت لِلْغَزَالِيِّ إفْتَاءً آخَرَ يُصَرِّحُ بِمَا ذَكَرْته مُتَأَخِّرًا عَنْ ذَلِكَ الْإِفْتَاءِ فِيمَنْ لَازَمَ الرِّيَاضَةَ فِي الْخَلْوَةِ حَتَّى صَارَتْ طَاعَتُهُ تَتَفَرَّقُ عَلَيْهِ بِالِاجْتِمَاعِ بِأَنَّهُ رَجُلٌ مَغْرُورٌ إذْ مَا يَحْصُلُ لَهُ فِي الْجَمَاعَةِ مِنْ الْفَوَائِدِ أَعْظَمُ مِنْ خُشُوعِهِ" وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ.

كما أن صلاة الجماعة ليست سببا معتاداً في منع الخشوع، ولكن حضور الجماعة مع مجاهدة النفس في دفع شواغلها، وإبعاد صوارف القلب أولى وأنفع وأكثر ثواباً وأعظم أجراً، والأجر على قدر المشقة، والله أعلم.

  • والخلاصة

    لا يصح العدول عن صلاة الجماعة بحجة أن المسلم  إذا صلى منفرداً كان أكثر خشوعاً ولو فعل فيندب له إعادتها كما قرَّر السادة المالكية، كما أن صلاة الجماعة ليست سببا معتادا في منع الخشوع، ولكن حضور الجماعة  أولى وأنفع وأكثر ثواباً وأعظم أجراً، والأجر على قدر المشقة، والله أعلم.