عنوان الفتوى: التوبة من الذنب

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

رجل قد ارتكب كبيرة من الكبائر، كشرب الخمر مثلا، وقد ندم على فعلته وتاب إلى الله سبحانه وتعالى بأن لا يرجع في هذه المعصية مرة أخرى. إذا كان هذا الرجل جالسا في مجلس مع أصدقائه، وسأله أحدهم: هل لك أن شربت الخمر في حياتك؟ وكان جواب الرجل: نعم. السؤال هو: ما حكم الشرع في إجابة الرجل؟ أهي مجاهرة في المعصية؟ كيف يجاوب الرجل على هذا السؤال (المحرج)؟ علما، بأن الرجل صدق في جوابه لكي يتحاشى الكذب وسيئاته؟ أليس الستر على نفسه أفضل من صدقه في إجابته؟

نص الجواب

رقم الفتوى

1271

18-يونيو-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فإن الله سبحانه وتعالى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وإذا صدق التائب في توبته فإن الله سبحانه وتعالى يبدل سيئاته حسنات قال تعالى {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }الفرقان70

والأصل في التائب أن يندم على ما فات، ولا يعود للمعصية مرة أخرى، ويهجر أرض المعصية، والأصحاب الذين شجعوه على المعصية.

كما أن تداول الأحاديث بين الأصحاب عن أخطاء الماضي واقتراف المعاصي يعتبر من تتبع العورات، وتصيد الزلات، وهذا منهي عنه كما في سنن الترمذي عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ « يَا مَعْشَرَ مَنْ قَدْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ لاَ تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلاَ تُعَيِّرُوهُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِى جَوْفِ رَحْلِهِ »

والأصل في المسلم أن يستر على نفسه ولا يجاهر بالمعصية كما في صحيح البخاري عن أَبي هُرَيْرَةَ قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « كُلُّ أمتي مُعَافًى إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ ، وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً ، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ ، فَيَقُولَ يَا فُلاَنُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا ، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ ».

كما يجب على المسلم أن يستر أخاه المسلم كما في صحيح البخاري "وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" وأخرج ابن أبي شيبة في باب الستر على السارق أبي بكر الصديق قال: "لو أخذت شاربا لأحببت أن يستره الله ، ولو أخذت سارقا لأحببت أن يستره الله"

وورد في بغية الحارث - (ج 1 / ص 179) أن رجلا أتى عمر بن الخطاب قد ابنة لي وأدت في الجاهلية واني استخرجتها فأسلمت فأصابت حدا فعمدت إلى الشفرة فذبحت نفسها فأدركتها وقد قطعت بعض أوداجها فداويتها فبرأت ثم أنها نسكت فأقبلت على القرآن فهي تخطب إلي فأخبر من شأنها بالذي كان؟! فقال له عمر: تعمد إلى ستر ستره الله فتكشفه لئن بلغني أنك ذكرت شيئاً من أمرها لأجعلنك نكالاً لأهل الأمصار بل أنكحها نكاح العفيفة المسلم

وفي السنن الصغرى للنسائي عَنْ دُخَيْنٍ أَبِي الْهَيْثَمِ ، كَاتِبِ عُقْبَةَ ، قَالَ : قُلْتُ لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ : إِنَّ لَنَا جِيرَانًا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ ، وَأَنَا دَاعٍ لَهُمُ الشُّرَطَ ، فَيَأْخُذُونَهُمْ قَالَ : لاَ تَفْعَلْ ، وَلَكِنْ عِظْهُمْ ، وَتَهَدَّدْهُمْ ، قَالَ : فَفَعَلَ فَلَمْ يَنْتَهُوا ، فَجَاءَ دُخَيْنٌ إِلَى عُقْبَةَ ، فَقَالَ : إِنِّي نَهَيْتُهُمْ ، فَلَمْ يَنْتَهُوا ، وَأَنَا دَاعٍ لَهُمُ الشُّرَطَ ، فَقَالَ عُقْبَةُ : وَيْحَكَ لاَ تَفْعَلْ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، يَقُولُ : مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُؤْمِنٍ ، فَكَأَنَّمَا اسْتَحْيَا مَوؤُودَةً مِنْ قَبْرِهَا.

  • والخلاصة

    يجب أن تستر على نفسك، ولا تذكر لمن يسألك أي معصية ارتكبتها ثم تبت منها والله أعلم.