عنوان الفتوى: إخلاص النية لله

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

في الفترة الأخيرة بت أشعر أن نيتي في كل الأعمال ليست في محلها حيث إنني لا أقصد بها وجه الله سبحانه وتعالى. فمثلاً عندما أصلي لا أصلي إلا لأن الصلاة فرض ولأني أريد الأجر فقط وأظن في نفسي أن نيتي لهذا الهدف غير صحيحة، وقد حاولت أن تكون نيتي هي مرضاة الله، ولكنني لا أشعر بهذا الشي في كل العبادات، فأتمنى أن تفيدوني في هذا الخصوص وأن تدلوني على أي كتاب أستنير به حول هذه المسألة. وجزيتم خيراً

نص الجواب

رقم الفتوى

1252

29-يونيو-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فيا أخي السائل الكريم، إن إخلاص النية لله تعالى في أعمالنا، دليل قبولها، ومن النية الصادقة ما يكون خوفاً من العذاب أو طمعاً بالثواب، لأن العقاب والثواب من الله تعالى، فالمعنى الضمني الحقيقي أنك تفعل ما تفعل من أجل الله تعالى طمعاً لما في يديه وخوفاً من غضبه، ولكن أكمل النيات أن نؤدي أعمالنا خالصة لوجهه الكريم لأنه سبحانه حقيق بالعبادة والطاعة، وأن تكون عبادتنا مجردة عن أي إرادة إضافية، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) وننصحك بكتب التربية والسلوك، ففيها الكثير من التوجيهات التي تساعد على تصحيح النية وسلامة الطوية، ككتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي رحمه الله تعالى.

قال العلامة العطار في حاشيته على شرح جلال الدين المحلي على جمع الجوامع: (وَقَدْ اعْتَرَضَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ عَلَى الصُّوفِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ لَا نَعْبُدُهُ خَوْفًا مِنْ نَارِهِ وَلَا طَمَعًا فِي جَنَّتِهِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَظَّمَ شَأْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَرَغَّبَ عِبَادَهُ فِي الْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا وَخَوَّفَهُمْ مِنْ النَّارِ وَعَذَابِهَا.

وَإِنْ أُجِيبَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُهُمْ احْتِقَارَ شَأْنِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَعَدَمِ الِاهْتِبَالِ بِهِمَا، فَإِنَّ تَعْظِيمَ مَا عَظَّمَ اللَّهُ وَاجِبٌ، وَاحْتِقَارُهُ رُبَّمَا كَانَ كُفْرًا، وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَجْعَلُونَ أَعْمَالَهُمْ مُعَلَّلَةً بِهِمَا؛ بِحَيْثُ إنَّهُمَا لَوْ لَمْ يُوجَدَا مَا عَمِلُوا، فَإِنَّ مَوْلَانَا تَعَالَى يَسْتَحِقُّ عَلَى الْعَبْدِ الْعِبَادَةَ لِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ جَنَّةٌ وَلَا نَارٌ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَتَحَرَّزُونَ عَنْهُ، وَمِنْ هَاهُنَا نَعْلَمُ أَنَّ حَقَّ الْعَامِلِينَ لَا يَقْصِدُوا بِأَعْمَالِهِمْ التَّوَصُّلَ إلَى عَطَائِهِ؛ بَلْ مِنْ حَقِّ هَذَا السَّيِّدِ الْمُحْسِنِ فِي حَالَتَيْ الْإِقْبَالِ وَالْإِعْرَاضِ أَنْ لَا يَسْلُكَ مَعَهُ سَبِيلَ الْمُعَامَلَاتِ وَالْإِعْرَاضِ، وَأَنْ يَعْبُدَ وَيُخْضَعَ لَهُ لِجَلَالِهِ وَجَمَالِهِ اللَّذَيْنِ أَنْبَأَ عَنْهُمَا عُمُومُ إحْسَانِهِ، فَمَنْ عَبَدَهُ حِينَئِذٍ لِيَتَوَصَّلَ بِعِبَادَتِهِ إلَى عَطَائِهِ فَقَدْ جَهِلَ حَقَّ رُبُوبِيَّتِهِ، وَلَمْ يُخْلِصْ فِي عُبُودِيَّتِهِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يَعْمَلُ لِنَيْلِ حَظِّهِ؛ فَكَأَنَّهُ يَدْفَعُ شَيْئًا لِيَأْخُذَ فِي مُقَابَلَتِهِ أَكْثَرَ مِنْهُ فَلَيْسَ عَبْدًا عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ وَكَأَنَّهُ يَسْتَشْعِرُ أَنَّ مَعْبُودَهُ إنَّمَا يُعْطِيهِ بِعَمَلِهِ عَلَى حَسَبِ عَمَلِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُقْتَضَى الْكَرَمِ الَّذِي هُوَ وَصْفُهُ تَعَالَى، وَلِهَذَا أَوْرَدَ النَّهْيَ عَنْ النَّذْرِ الْمُعَلَّقِ نَحْوَ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ قَدِمَ غَائِبِي لَأَصُومَنَّ أَوْ لَأَتَصَدَّقَنَّ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ اشْفِ مَرِيضِي أَعْبُدْكَ بِكَذَا كَأَنَّهُ إنَّمَا يَشْفِيهِ لَهُ إذَا الْتَزَمَ عِبَادَتَهُ، وَهَذَا غَيْرُ لَائِقٍ بِكَرَمِهِ تَعَالَى فَهُوَ جَهْلٌ قَبِيحٌ مِنْ الْعَبْدِ؛ وَعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم :{إيَّاكُمْ وَالنَّذْرَ فَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ}، وَقَدْ نَبَّهَ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَنَالُ شَيْئًا فِي الْحَقِيقَةِ إلَّا بِفَضْلِهِ تَعَالَى وَكَرَمِهِ بِقَوْلِهِ :{لَنْ يَدْخُلَ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ}، فَحَقُّ الْعَبْدِ إذًا أَنْ لَا يَجْعَلَ عَمَلَهُ هُوَ الْمُوَصِّلُ عَلَى سَبِيلِ الرَّبْطِ الْمُطَّرِدِ وَالدَّوَرَانِ الدَّائِمِ، بَلْ يَعْمَلُ عُبُودِيَّةً وَخُضُوعًا وَيَعْتَمِدُ عَلَى فَضْلِ مَوْلَاهُ وَكَرَمِهِ، وَاَلَّذِي يُبَيِّنُ بُطْلَانَ الرَّبْطِ الْمُطَّرِدِ إحْسَانُهُ السَّابِقُ عَنْ الْأَعْمَالِ . قَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ : عِنَايَتُهُ فِيكَ لَا لِشَيْءٍ مِنْكَ وَأَيْنَ كُنْتَ حِينَ وَجَّهَتْكَ عِنَايَتُهُ وَقَابَلَتْكَ رِعَايَتُهُ لَمْ يَكُنْ فِي أَزَلِهِ إخْلَاصُ أَعْمَالٍ وَلَا وُجُودُ أَحْوَالٍ بَلْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إلَّا مَحْضُ الْإِفْضَالِ وَعَظِيمُ النَّوَالِ).اهـ

نفعنا الله وإياكم وأصلح سرائرنا وأخلص نوايانا. والله تعالى أعلى وأعلم

  • والخلاصة

    من النية الصادقة ما يكون خوفاً من العذاب أو طمعاً بالثواب، لأن العقاب والثواب من الله تعالى، فالمعنى الضمني الحقيقي أنك تفعل ما تفعل من أجل الله تعالى طمعاً لما في يديه وخوفاً من غضبه، ولكن أكمل النيات أن نؤدي أعمالنا خالصة لوجهه الكريم لأنه سبحانه حقيق بالعبادة والطاعة، وأن تكون عبادتنا مجردة عن أي إرادة إضافية، وننصحك بكتب التربية والسلوك، ففيها الكثير من التوجيهات التي تساعد على تصحيح النية وسلامة الطوية، ككتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي رحمه الله تعالى.