عنوان الفتوى: حكم من نسي شيئاً من القرآن

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

سمعت أنّ من حفظ سورة ( يس ) ثم نسيها فهو آثم .. فما صحة هذا القول ؟

نص الجواب

رقم الفتوى

1239

26-يونيو-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فالحديث الوارد في النسيان لم يخصص سورة يس أو غيرها، ولكنه عام في أي سورة أو آية يحفظها المسلم ثم ينساها.

فقد جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أرَ ذنباً أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها ". أخرجه أبو داود والترمذي وابن خزيمة في صحيحه. قال الترمذي: حديث غريب.

أما حكم نسيان القرآن ففيه تفصيل؛ إذ لا بد أن نفرق بين أمرين:

الأول: نسيان القرآن بمعنى النسيان الحقيقي المتبادر لذهن الناس، وهو في هذه الحالة ينصرف إلى نسيان اللفظ وتفلته من ذاكرة الحفظ لدى الشخص.

والثاني: نسيان القرآن بالمعنى المجازي للنسيان؛ أي تركه وهجره وعدم تطبيق أحكامه وأوامره.

والمعنى الأول للنسيان ليس مقصود الوعيد الوارد في القرآن والسنة على الراجح من قول العلماء، خاصة إذا كان الإنسان يجتهد في استذكاره لكنه يتفلت منه لضعف ذاكرته أو كثرة همه؛ إذ كان الصحابة ينسون بعض الآيات من حفظهم.

فإن قصر في مراجعة حفظه واستذكاره، وأهمل ذلك، فلا شك أنه داخل في دائرة الإثم والتقصير؛ لأنه بذلك يخالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتعهد القرآن؛ فقد أخرج مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بئسما لأحدهم يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نُسِّي، استذكروا القرآن فلهو أشد تفصِّيًا من صدور الرجال من النعم بعقلها"، وأخرج أيضاً أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت ".

وفيه الحث على تعاهد القرآن وتلاوته والحذر من تعريضه للنسيان؛ لأنه إذا لم يحكم حفظه تفلّت كالبعير الذي لم يحكم ربطه بالعِقال.

ومن نسي شيئاً من القرآن لعذر أو لكثرة الصوارف والشواغل التي تفرضها ظروف الحياة وطلب المعيشة، مع حرصه على المراجعة في أي فرصة تسنح له، فهو في ذلك معذور إن شاء الله.

قال أبو عبيد: وأما الذي هو حريص على حفظه، دائب في تلاوته إلا أن النسيان يغلبه؛ فليس من ذلك في شيء، بدليل ما روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلاً يقرأ القرآن بالليل، فقال: "يرحمه الله فقد أذكرني آية كذا وكذا كنت أنسيتها ".

وقد حمل بعض العلماء النِّسيان هنا على ترك العمل لأن الإنسان بطبيعته معرّض لنسيان ما يحفظ، سواء أكان من القرآن أم من غيره.

وقال ابن عيينة: النسيان المذموم هو ترك العمل به، وليس من انتهى حفظه وتفلَّت منه بناسٍ إذا عمل به، ولو كان كذلك ما نسي شيئاً منه، قال تعالى: " سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله " (شرح الزرقاني 17/2) على موطأ مالك.

ومهما يكن من شيء فإن الواجب هو المجاهدة للإبقاء على ما يحفظ وذلك بمداومة التلاوة ما استطاع الإنسان إلى ذلك سبيلاً ففي التلاوة ثواب عظيم، وأجر جسيم، كل حرف بعشر حسنات. والله تعالى أعلم.

وحمل كثير من السلف النسيان على نسيان حفظه بسبب عدم تعاهده ومراجعته. فقد قال ابن حجر في فتح الباري:" اختلف السلف في نسيان القرآن فمنهم من جعل ذلك من الكبائر.

وأخرج أبو عبيد من طريق الضحاك بن مزاحم موقوفاً قال : ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب أحدثه، لأن الله يقول: { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم }. ونسيان القرآن من أعظم المصائب.

واحتجوا أيضاً بما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أنس مرفوعاً :" عرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنباً أعظم من سورة من القرآن أوتيها رجل ثم نسيها" في إسناده ضعف .... ومن طريق أبي العالية موقوفاً : " كنا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن ثم ينام عنه حتى ينساه" وإسناده جيد.

ونقل ابن رشد المالكي الإجماع على أن " من نسي القرآن لاشتغاله بعلم واجب أومندوب, فهو غير مأثوم " اهـ

ومن أقوال الحنفية : قال الخادمي في بريقة محمودية 4/194: (ومنها نسيان القرآن بعد تعلمه ... لأن المعدود هنا ذنب التفريط في محفوظه لعدم تعاهده ودرسه ) اهـ.

وفي حاشية الرملي: قوله : ( "ونسيانه كبيرة" موضعه إذا كان نسيانه تهاوناً وتكاسلاً) اهـ.

إذا علمت ذلك أخي الكريم فاستعن بالله، وادع الله بصدق، واسأله سبحانه أن يثبت الحفظ في قلبك، وخصص أوقاتاً للمراجعة خصوصاً بعد صلاة الصبح أو العشاء، وردد ما حفظته في أوقات فراغك، أو في أثناء السير في السيارة، أو في فترات الراحة أثناء العمل الوظيفيّ. ومن المفيد قراءة ما تحفظه في صلاة قيام الليل ولو بمقدار قليل، ويمكنك الاشتراك في مركزٍ من مراكز التحفيظ، والتردُّد عليها مرَّةً أو مرَّتين أسبوعيّاً.

  • والخلاصة

    من نسي سورة من القرآن بسبب تهاونه إهماله، وتركه المراجعة والاستذكار فهو مقصِّر، وينبغي عليه كثرة المراجعة للحفاظ على هذه النعمة العظيمة. والله أعلم.