عنوان الفتوى: الصبر على الابتلاء

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

أنا فتاة مصابة بفشل كلوي ومرض ضغط الدم ضاقت بي الحياة وأغلقت جميع أبواب الأمل بالشفاء فماذا أفعل؟ أريد راحة البال والشفاء من الأمراض، وأريد نصيحتكم والدعاء لي بالشفاء العاجل لأني تعبت كثيراً من الغسيل الكلوي الذي أتعالج به، ولديَّ همٌّ كبير جداً، ساعدوني.

نص الجواب

رقم الفتوى

11970

12-يوليه-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فاعلمي رحمني الله وإياك، وعافاك من كل بلاء ورفع قدرك في الدنيا والآخرة أن هذه الدنيا دار ابتلاء لكل المؤمنين بما في ذلك الأنبياء، وأكثرهم بلاء نبيناً محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا ما جعله أرفعهم درجة وأعلاهم درجة والابتلاء كما يكون في أمور الدنيا من فقد مال أو موت ولد أو تأخر في الزواج أو مرض أو غير ذلك، فإنه أيضاً يكون في الدين، فهناك من يبتلى بفعل الكبائر أو ترك الصلاة أو نحو ذلك؛ لهذا فكل من ابتُلِيَّ في دنياه وسلِم له دينه فعليه أن يحمد الله عز وجل.

وينبغي أن لا يغيب عن ذهنك أن من ابتلاه الله في الدنيا فصبر فسيعوضه الله في الآخرة، والآخرة خير وأبقى، والآخرة خير من الأولى، وما عند الله خير للأبرار، فمن صبر على قدر الله رصد الله له من الأجر العظيم ما لا يُحدُّ، قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}[الزمر:10]، وجاء في سنن الترمذي وغيره: "يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ"، والصبر خلق يكتسب فمن يتصبر يصبره الله حتى يتكيف مع ما ابتلاه الله به، ولذلك ثبت في صحيح البخاري قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في الصحيح: (وجدنا خير عيشنا بالصبر).

والدنيا فترة وجيزة، ثم نلقى الله، وغمسة واحدة يغمسها المؤمن في الجنة تنسيه كل معاناته في الدنيا، فقد ثبت في صحيح مسلم رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ".

ولا تنسيْ يا أختنا الفاضلة ما أرشدنا إليه الحبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن ننظر إلى من هم أقل منا شأناً وأكثر منا معاناة، حيث يقول كما في صحيح الإمام مسلم أيضاً: "انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ ..عَلَيْكُمْ".

فمن نظر إلى من حوله من الناس وجد أن هناك من ابتلي في بدنه بلاء منعه النوم، وهناك من ابتُليّ بالشلل التام فقد معه القدرة على الحركة وهناك من فقد البصر فعمي وهناك من أصيب بالجذام فقذره الناس واعتزلوه حتى لا يُعديهم، وهناك من جُنَّ فطارده الصبيان في الشوارع ورموه بالحجارة، فأين أنت من هؤلاء؟

أختنا أنت في نعمة وسيزيد شعورك بها إذا قارنت نفسك بمن هو أشد بلاء منك وبمن هو أدون منك في أمور الدنيا؛ فلا تستسلمي لإحزان الشيطان لك، وثقي بالله، وأظهري لله منك صبراً جميلاً واشكريه على ما أنت فيه، وحذاري من اليأس من رحمة الله، قال الله تعالى: {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87]، وقال تعالى: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ} [الحجر:56].

فاثبتي ولا تفتني ويوشك الله أن يعجل لك بفرج من عنده فالتزمي الدعاء وخاصة في الأوقات الشريفة التي ترجى فيها الإجابة كالأسحار وبين الأذان والإقامة وآخر ساعة من العصر يوم الجمعة وفي السجود وبعد الآذان ونحو ذلك، ثبتك الله وملأ قلبك رضاً وسروراً بقضائه وقدره وشفاك الله من كل الأدواء، آمين.

  • والخلاصة

    فعليك أن ترضيْ بقضاء الله وقدره رضاً حقيقياً ظاهراً وباطناً ففي ذلك سعادة الدنيا والآخرة والراحة والطمأنينة ولذة الحياة، ثم إن ما يدخره الله لعباده المؤمنين في الآخرة ينسي كل ما في هذه الدنيا القصيرة من المعاناة، والله المثبت والموفق.