عنوان الفتوى: الكذب لتجنب الحسد

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ما حكم الكذب لتجنّب الحسد ؟

نص الجواب

رقم الفتوى

1134

24-يونيو-2008

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

 

فإن الكذب من الذنوب العظيمة، والأخلاق الذميمة، وهو من صفات المنافقين التي وُصِفُوا بها في القرآن الكريم والحديث النبوي، والمؤمن لا يكون كذاباً.

وقد حث ربنا على الصدق فقال سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ } [التوبة : 119].

لكن إذا دعت ضرورة أوحاجة ماسة مثل: إنقاذ نفس المسلم، أو ماله، أو نحو ذلك، فيباح الكذب في تلك الحالة نظراً للمصلحة الراجحة. ويجب أن يكون ذلك في أضيق الحدود، بحيث لا توجد وسيلة أخرى مشروعة تحقق الغرض.

فإذا غلب على الظن أن الحسد سيصل إلى درجة الضرر بالمحسود في نفسه أو ماله، ولم يكن ثمَّة طريق للتخلص من ذلك إلا بالكذب فيجوز حينئذ.

وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن الكذب إذا كان يحقق مصلحة هي أعظم مما في الكذب من مضرة أو يدفع ضرراً أشد مما في الكذب من ضرر فإنه جائز.

واستدلوا على ذلك بما رواه الترمذي عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يحل الكذب إلا في ثلاث : يحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس".

وروى البخاري ومسلم عن أم كلثوم قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً "،

أما دون ذلك فلا يجوز فيه الكذب، ولكن يمكن استخدام أسلوب آخر يسمى بـ (التورية) أو (المعاريض). فمن الوسائل المشروعة التي تحقق الغرض دون وقوع في الكذب: ما يسمى بالمعاريض، حيث تستعمل كلمة تحتمل معنيين، يحتاج الإنسان أن يقولها، فيقولها قاصداً بها معنى صحيحاً، بينما يفهم المستمع معنى آخر.

وقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن عمران بن حصين قال :" إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب". ورواه البخاري في الأدب المفرد.

قال شمس الحق العظيم أبادي في عون المعبود في شرح سنن أبي داود: قال النووي: والتورية والتعريض إطلاق لفظ هو ظاهر في معنى، ويريد معنى آخر يتناوله اللفظ لكنه خلاف ظاهره، وهو ضرب من التغرير والخداع فإن دعت إليه مصلحة شرعية راجحة على خداع المخاطب أو حاجة لا محيص عنها إلا به فلا بأس وإلا كره، فإن توصل به إلى أخذ باطل أو دفع حق، حرم عليه. انتهى.

وقد روى البخاري رحمه الله قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "أَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهُوَ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ يُعْرَفُ وَنَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَابٌّ لاَ يُعْرَفُ، قَالَ : فَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَا بَكْرٍ فَيَقُولُ : يَا أَبَا بَكْرٍ مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ ؟ فَيَقُولُ : هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ، قَالَ : فَيَحْسِبُ الْحَاسِبُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي الطَّرِيقَ، وَإِنَّمَا يَعْنِي سَبِيلَ الْخَيْرِ. أخرجه الإمام البخاري في صحيحه.

ونوصيك أخي السائل بالالتجاء إلى الله سبحانه، والتحصن بالأذكار الشرعية للوقاية من الحسد، وكثرة قراءة المعوذتين وسورة الإخلاص وفاتحة الكتاب وآية الكرسي، وخاتمة سورة البقرة من قوله: ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون...) إلى نهاية السورة، وقوله تعالى: (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون ) [القلم: 51]، وبعض الأدعية النبوية، كقوله صلى الله عليه وسلم: " أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة " رواه البخاري. و " بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس وعين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك ". رواه أحمد والنسائي وابن ماجه وآخرون.

ومن ذلك: (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء). رواه أحمد وأبو داود والترمذي.

( أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون). رواه أبو داود.

( أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن). رواه أحمد.

  • والخلاصة

    لا يجوز الكذب لتجنب الحسد إلا إذا غلب على الظن وقوع ضرر بالمحسود في نفسه أو ماله، ولكن يمكن استخدام التورية، وقراءة الأذكار الشرعية، وأن تتحصن بالأذكار الصباحية والمسائية واجعل ثقتك بالله ولا تعلق قلبك إلا بالله سبحانه. والله أعلم