عنوان الفتوى: ثواب الصبر على فقد الولد

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

توفى الله ابني وهو في الثلاث سنوات من عمره وكنت متعلقاً به كثيراً، والشيطان يحاول تصويره لي في كل مكان فيضيق صدري، أفيدوني ماذا أفعل؟

نص الجواب

رقم الفتوى

11013

29-مايو-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ السائل على سؤالك، ونسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يُحسن عزاءك، وأن يُعظم أجرك، وأن يجعله فرطاً لك إلى الجنة، وأن يُعوِّضك خيراً.

واعلم رعاك الله أن الدنيا دار ابتلاء، وأن الابتلاء هو سنة الله الجارية في المؤمنين، كما قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}[الأنبياء:35]، وقد روى ابن ماجه والترمذي عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط".

 وطالما علمت ذلك فاعلم أن خير ما يؤتيه الله تعالى للمؤمن في مصابه ويُعينه به أن يرزقه الصبر على قضائه وقدره حتى يحبس نفسه عن الجزع، ولسانه عن الشكوى، ويرضى بما اختاره الله له، وتستسلم جوارحه وقلبه لأمر الله تعالى.

ولقد بشر الله تعالى الصابرين على المصائب بالفضل العظيم من الله تعالى، كما قال عز وجل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعون* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}[البقرة:155-156-157].

وكذلك بَشَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم الصابرين على فقد أولادهم بالفوز العظيم بجنات عدن وبالمقام فيها وسكناها، كما في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى أحمد والترمذي وابن حبان وصححه عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ".

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، فقد مات ولده إبراهيم عليه السلام صغيراً، فصبر على قضاء الله واسترجع ورضي، فقد روى البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: "يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ" ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ".

نعم إن النفس سريعة إلى الجزع، كثيرة التعلق بالمحبوب، والتألم على فقده أو فراقه، إلا أن نفس المؤمن تسكن وترضى وتستسلم لأمر الله إذا ما علمت أن المال والأهل ودائع، وأن الله قد استرد وديعته وعاريته، وأن الموعد القيامة، والملتقى الجنة بإذن الله تعالى، وقد تفضل الله على المؤمنين بجمع شمل المؤمن بأهله وأولاده إذا دخل الجنة، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ }[الطور:21]

الأخ الكريم: بعدما علمت هذا الفضل من الله الذي وعد به الصابرين، فاحذر من تحزين الشيطان ووسواسه لك، حتى لا يزرع فيه شوك اليأس من رحمة الله تعالى بشدة تحزينه لك، ويُفوِّت عليك نيل الثواب والأجر على الصبر، نعم إن المصاب جلل، ولكن الأجر أعظم، والفضل أجزل، والمُقدِّر هو الملك جل جلاله، فالكون كونه، والملك ملكه، والعبيد عبيده، فكن على مراد الله ولا تكن على مراد نفسك، واعلم أن ما اختاره الله لك أفضل مما تمنيته لنفسك، واعلم أن الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى، وإلا فاصبر، والله الموفق.

  • والخلاصة

    إن الله إذا أحب عبداً ابتلاه، فارض واصبر فلقد وعد الله الصابرين بالأجر العظيم والثواب الجزيل على الصبر، واحذر من تحزين الشيطان ووسواسه لك، حتى لا يزرع فيه شوك اليأس من رحمة الله تعالى بشدة تحزينه لك، حتى لا يُفوِّت عليك أجر الصبر، فكن على مراد الله ولا تكن على مراد نفسك، واعلم أن الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى، وإلا فاصبر، والله الموفق.