عنوان الفتوى: التوبة واحوال العبد

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

هل هناك تشابك وتعارض بين آيات وأحاديث التوبة الواردة في الشرع الحنيف، وهل يمكن الجمع بين المتعارض منها وتسهيل المعنى لقائلها والواقف عليها؟ ولكم الشكر.

نص الجواب

رقم الفتوى

10912

26-مايو-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فإن التوبة باب من أبواب رحمته تعالى بعباده، وقد بسط الله عز وجل التوبة لعبادة وفتح أبوابها لهم وحثهم عليها ورغبهم فيها، وأعلمهم أنه تعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين، والعبد دائر بين طاعة ومعصية، وأن الله سبحانه قد علق مغفرته وثوابه بالتائبين وعلق سخطه وعقابه بالمصرين على المعصية، ولا تزال الشريعة الإلهية تخبرنا تارة عن أحوال العبد وظروفه وتارة عن أحكام الله تعالى وأسمائه وصفاته.

فمن صفات الله تعالى أنه يقبل التوبة من عباده ما لم يغرغر العبد المذنب، وأن من أسمائه تعالى التواب والرحيم وأن الله تعالى يحب التوابين ويفتح أبواب مغفرته للتائبين حتى تتحقق أسماؤه بآثارها بمعنى أنه حتى ينال الخلق التوبة والرحمة لا بد من تائب ومستغفر فجاء الشرع يبين التوبة بمعانيها ويرغب الخلق ويحثهم عليها، ويحذرهم من اليأس والقنوط.

ومن صفات العبد أنه يكثر الذنوب ويرجع إليها وربما رجع إليها ووقع فيها في اليوم أكثر من مئة مرة فحثه الله تعالى على التوبة ولم يقطع إياسه منها وعلقه برحمته ومغفرته وأسمائه وصفاته.

ومن أحوال العبد الذميمة أن يرى التائب التوبة عملاً صادراً منه مع غيابه عن فضل الله تعالى فيُعجب به ويرى لنفسه فضلاً فيمنع العجب كمال التوبة أو قبولها فيصير العجب ذنباً يمنع القبول، فحتى يخلصه من ذنوبه قال له تذكر معصيتك -التي كنت عليها قبلاً -مع استشعار أن الله قد غفرها لك بمنه وتوفيقه-حتى يهدم التذكار العجب من أساسه وأن العبد لا يستحق العجب ولا يليق به وأن الفضل أولا وآخراً راجع لله تعالى لا إليه، وقد قال سيدنا شعيب عليه السلام: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}[هود:88]، وقال أهل الجنة: {وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ}[الأعراف:43]، فتذكاره للذنوب واعترافه بفضل الله تعالى وهدايته علاج لا حثٌ على الذنب بل هدم لما هو عليه من العجب والغرور.

ومن تأمل ما ذكرناه يجد أن هذه النصوص بعضها تعالج العبد للرجوع إليه تعالى بالتوبة أوتعالجه خشية الوقوع في اليأس والقنوط حتى يكون دائماً معترفاً بعبوديته وتقصيره وملاحظاً لربوبية الرحمن وصفات الله تعالى وكرمه تعالى، وليس أن الله تعالى يحث العبد على الذنب بل يذكره بأن الذي وقع منه ذنب فيتذكر بما مضى وما هو فيه فيرجع إلى حضرته ويتوب وهذه عادة الله تعالى بعبيده، وتارة يريه كرمه تعالى ورحمته ومغفرته بخلقه وحلمه عليهم.

وهكذا قل في كل ما ذكرتَه من نصوص ولا تعارض بينها ولكن احمل كل نص بمن يتعلق به وأرجع المعاني إلى مقاصدها تجد الأمر لا تشابك فيه وليس معنى حديث "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم" ...حثاً على الذنب وإنما معناه: أن المطلوب أن لا تذنبوا ولو أذنبتم فتوبوا وإلا ذهب الله بكم ففيه حث على التوبة لمن وقع في الذنب وأن لا يصر عليه. والله أعلم.     

 

  • والخلاصة

    من تأمل ما ذكرناه يجد أن هذه النصوص بعضها تعالج العبد للرجوع إليه تعالى بالتوبة أو تعالجه خشية الوقوع في اليأس والقنوط حتى يكون دائماً معترفاً بعبوديته وتقصيره وملاحظاً لربوبية الرحمن وصفات الله تعالى وكرمه تعالى وليس أن الله تعالى يحث العبد على الذنب بل يذكره بأن الذي وقع منه ذنب فيتذكر بما مضى وما هو فيه فيرجع إلى حضرته ويتوب وهذه عادة الله تعالى بعبيده، وتارة يريه كرمه تعالى ورحمته ومغفرته بخلقه وحلمه عليهم، والله أعلم.