عنوان الفتوى: نهي أحد الوالدين ولده عن صلة بعض الأرحام

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

هل يجوز للأم أن تأمر ابنها أو ابنتها بقطع صلة الرحم عن عماتهم أو خالاتهم أو أولاد العم وأولاد الخالة؟ وهل يطيعها في ذلك؟ وكيف يعالج الأمر؟

نص الجواب

رقم الفتوى

10793

22-مايو-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ الكريم على سؤالك، وزادك حرصاً، وبارك فيك.

واعلم رعاك الله أنه لا يجوز للأم ولا لِغيرها أن تأمر أولادها بِقطع أرحامهم وهجرهم، وليس للأولاد طاعة أمهم في ذلك، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما الطاعة في المعروف، ولكن ينبغي على الأولاد إذا وجدوا من أمهم جُنوحاً عن الحق أن ينصحوها بالمعروف بما لا يتجاوز حدود البرِّ بها كما أمرنا الله تعالى.

فالله تعالى أمر بطاعة الوالدين والبر والإحسان إليهما، وإدخال السرور على قلوبهما، والابتعاد عن كل ما يؤذيهما، ما لم يترتب على طاعتهما معصية الله تعالى، ولذا ذكر العلماء ضوابط في تحديد وبيان مقدار العقوق الحاصلة من الولد لوالديه و حاصلها أربعة:

الأول: أن يكون في غير معصية لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، رواه  أحمد  وغيره وصححه  السيوطي.

الثاني: أن يكون لهما غرض صحيح من الأمر بترك المندوب والمباح أو الأمر بمقارفة المكروه.

الثالث: أن لا يكون في ذلك ضرر على الولد فيما أمراه به، وقد نص على هذا طائفة من أهل العلم.

الرابعة: أن لا يكون بالمخالفة ضرر ليس بالهين على الوالدين، وقيده العلامة ابن حجر رحمه الله فقال: (ومحله أيضاً حيث لم يقطع كل عاقل بأن ذلك من الأب مجرد حمق وقلة عقل)، وقال أيضاً: (وحيث نشأ أمر الوالد أو نهيه عن مجرد الحمق لم يلتفت إليه؛ أخذاً مما ذكره الأئمة في أمره لولده بطلاق زوجته، وكذا يقال في إرادة الولد لنحو الزهد ومنع الوالد له؛ أن ذلك إن كان لمجرد شفقة الأبوة فهو حمق وغباوة فلا يلتفت له الولد في ذلك، وأمره لولده بفعل مباح لا مشقة على الولد فيه يتعين على الولد امتثال أمره إن تأذى أذى ليس بالهين إن لم يمتثل أمره، ومحله أيضاً حيث لم يقطع كل عاقل بأن ذلك من الأب مجرد حمق وقلة عقل، لأني أقيد حل بعض المتأخرين للعقوق بأن يفعل مع والده ما يتأذى به إيذاء ليس بالهين بما إذا كان قد يعذر عرفاً بتأذيه به، أما إذا كان تأذيه به لا يعذره أحدٌ به لإطباقهم على أنه إنما نشأ عن سوء خلق وحدة حمق وقلة عقل؛ فلا أثر لذلك التأذي وإلا لوجب طلاق زوجته لو أمره به ولم يقولوا به).

وينبغي على الأولاد أن يُذكروا أمهم بخطورة قطع الأرحام وهجرهم، وضرورة صلة الرحم ، وما لها من أثر حسنٍ على الجميع، فصلة الرحم من أعظم خصال الخير ومن آكد شعب الإيمان.

وقد وردت أحاديث تحذر من قطيعة الرحم وتبين خطورتها على صاحبها، فقد روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله"، وروى مسلم أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لا يدخل الجنة قاطع رحم".

وقد دعا الإسلام إلى صلة الرحم وإن أدبرت، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلا قال: "يا رسولَ الله، إِن لي قرابة، أصلِهُم ويقطعونني، وأُحْسِن إِليهم ويُسيئُون إِليَّ، وأحلُم عنهم، ويجهلون عليَّ؟ قال: لئن كنتَ كما قلتَ فكأنما تُسِفُّهُم الملَّ، ولن يزال معك من الله ظهير عليهم ما دُمتَ على ذلك"، أخرجه مسلم.

وننصح الأبناء أن يكونوا مبادرين بالخير، حتى يجعلوا من أنفسهم حلقة وصل، وسبب خير لِإذابة البواعث على القطيعة وحلِّ الخلاف بين أمهم وبين أرحامهم، وتقريب المسافات البعيدة، وأن يمتثلوا قول الله تعالى: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } [النساء:114]، والله أعلم.

  • والخلاصة

    لا يجوز للأم ولا لِغيرها أن تأمر أولادها بِقطع أرحامهم وهجرهم، وليس للأولاد طاعة أمهم في ذلك، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولكن ينبغي على الأولاد إذا وجدوا من أمهم جُنوحاً عن الحق أن ينصحوها بالمعروف بما لا يتجاوز حدود البرِّ بها كما أمرنا الله تعالى، وأن يكونوا مبادرين بالخير، حتى يجعلوا من أنفسهم حلقة وصل، وسبب خير لِإذابة البواعث على القطيعة وحلِّ الخلاف بين أمهم وبين أرحامهم، وتقريب المسافات البعيدة، والله أعلم.