عنوان الفتوى: امتحان الله للعبد بضيق الرزق

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

أعمل في مكان لا يرضي الله تعالى، وأتمنى أن أترك هذه المهنة، ولكن حاولت كثيراً ولم أجد عملاً، والآن أنا منقطع عن العمل في المراقص من 5 شهور، وإلى الآن لم أجد عملاً، فماذا أفعل؟  

نص الجواب

رقم الفتوى

10761

22-مايو-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أخي السائل ونسأل الله تعالى أن يُحقِّقَ رجاءك، وأن يوسع عليك في الدنيا والآخرة.

 واعلم أن ما أنت فيه ابتلاء واختبار من الله تعالى لك، لِيرى منك حسن صبرك عن الحرام، وشدة عزمك، وعلو همتك في السعي لإرضائه تعالى، وصدقك في طلب الحلال وترك الحرام، وما الدنيا إلا صبر ساعة، فإن تصدق الله يصدقك، فما أسرع يسره، وما أقرب فرجه، بل فرجه قريب في لمحة البصر، وغوثه في لفتة النظر، فالزم باب الصبر والرضا بالله، فخير عيش تدركه في الصبر، والخير كل الخير في الرضا بالله.

ومع هذا فالله تعالى خلق الخلق وتكفل بأرزاقهم، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، والرزق بيد الله تعالى، ولن يستطيع أحد أن يمنع أحداً رزقاً كتبه الله له، فلن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، كما روى ابن ماجه واللفظ له والحاكم وصححه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ".

ولكنه سبحانه قسم الأرزاق بين الخلق حسب حكمته تعالى ووفق ما يصلحهم كما يعلمه منهم، ومع ذلك فلله في خلقه حِكمٌ وشؤون، قال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ}[الشورى :27].

والمؤمن يُسَلِّم لله تعالى على كل حال، فهو يسعى على رزقه ويطلب الحلال بالجهد والعمل أخذاً بالأسباب، ومع ذلك فقد يكون (رزقه) - نتيجة تعبه - قليلاً على غير ما توقع، والعكس صحيح، وهو في كل أموره خاضع مستسلم لربه يحمده في السراء، ويصبر ويرضى في الضراء، لا يعترض على رزقه وإن رآه قليلاً، ولا يتمنى لنفسه خلاف ما رضيه له ربه تعالى.

والغالب على النفس الضعيفة أن تنبسط وتفرح بالعطاء وتنقبض بالمنع، لأن في العطاء متعتها وشهوتها فتنبسط لذلك، وفي المنع قطع مرادها وترك حظوظها ولا شك أنها تنقبض بذلك؛ وذلك لجهلها بربها وعدم فهمها، فربما أعطاك ما تشتهيه نفسك فمنعك بذلك عن مناجاته، وربما أعطاك متعة الدنيا وزهرتها فمنعك الآخرة ونعيمها، وربما أعطاك قوة البدن ومنعك قوة الروح، وربما أعطاك إقبال الخلق فمنعك من إقبال الحق سبحانه، ربما أعطاك عز الدنيا ومنعك عز الآخرة، وربما منعك من عز الدنيا وأعطاك عز الآخرة.

والرزق خزينة من خزائن الله، وعطايا الله تنال بطاعته، ولكنه تعالى جعل لجلب الرزق أسباباً؛ فمن أعظم أسباب الرزق:

- ذكر الله تعالى وخاصة قراءة القرآن الكريم، والاستغفار والتوبة إلى الله تعالى، فهو من أعظم أبواب الفرج وسعة الرزق، لقوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً .يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً .وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً}[نوح10 ـ 12]، وروى أبو داود وابن ماجه والَحاكم وصحَّحه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ".

- ومنها: تقوى الله جل جلاله، وصلة الرحم، والتصدق والإنفاق في سبيل الله، فمن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، و الدعاء والالتجاء إلى الله جل وعلا، فهو تعالى كفيل بإغاثة الملهوف، وتفريج كرب المكروب، وإجابة المضطر، قال تعالى:{أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ }[النمل62]، وروى أبو داود والترمذي والحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل"، وبهذا المعنى قال صاحب الحكم رضي الله عنه: ما تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك ولا تعسر مطلب أنتا طالبه بربك.أهـ، نسأل الله تعالى أن يشرح صدركِ، وأن يفرِّج همكِ، وأن يجيب دعاءك، والله ولي التوفيق.

  • والخلاصة

    الزم باب الصبر والرضا بالله، فخير عيش تدركه في الصبر، والخير كل الخير في الرضا بالله، واسلك أسباب جلب الرزق، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، والله الموفق.