عنوان الفتوى: التوبة من مشاهدة المحرمات

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

أنا شاب عمري 18 سنة وأنا الحين في الثانوية، منذ أربع سنوات تقريباً بدأت أطلع على الإباحية وذلك بسبب أصدقاء السوء الذين أوقعوني في هذه المصيبة ولكن كلما اطلعت ينتهي بعادة سرية وكلما انتهيت منه أراجع نفسي وألومها وأقول لن أشاهد بعد اليوم ما يغضب ربي وأبدأ بالاستغفار والقرآن والصلاة ولكن للأسف الشديد أقصى مدة أستمر بهذه الحال شهر وأدناها أسبوع وبعد ذلك يأتي شيطان يقول اطلع على الايميل والأخبار و... ثم أعود مرة أخرى إلى تلك الحالة وهكذا قضيت أربع سنوات وأنا الحين أدخل في الخامس، وأسأل الله أن يكون هذا الحد الأخير مع تلك الأحوال السيئة ومن هنا أردت أن أرسل لكم هذه الرسالة وأخبركم بحالي علماً بأني قطعت العلاقة التي بيني وبين أصدقاء السوء من فترة وأحاول دائما أن أستغل وقتي بما ينفع ولكن...كما أمارس التمارين الرياضية للتقليل من الشهوة ولكن ما أدري كيف أزيل هذه العقدة التي تكونت في مخي من أول مرة (المثيرات)؟ وأتمنى منكم أن تأخذوا الرسالة بعين الاعتبار وترشدوني حتى أخرج من هذه الظلمات ويكن لكم الأجر بإذن الله.

نص الجواب

رقم الفتوى

10725

18-مايو-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ السائل على سؤالك، ونسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يعافيك مما أنت فيه، وإننا نحمد فيك يقظة قلبك التي حركت مكامن الإيمان عندك، والحرص على إرضاء الله تعالى، فأنت بخير ما دمت ترجو رحمة الله، وتخشى غضبه.

ولكن الأمر يتطلب منك أن تصدق الله تعالى في التوبة إليه، وتقلع عن ارتكاب المعاصي، وتُقبل على طاعة الله، فالله تعالى أشد فرحاً بك منك إذا عدتَّ إليه، بل هو الذي يتودد إليك ويتحبب إليك، ويبسط لك يده بالليل والنهار حتى تعود إليه، واصدق الله في التوبة إليه، فالله تعالى يكفر السيئات بالتوبة الصادقة، بل تتحول سيئات العبد إلى حسنات بالتوبة الصادقة، كما قال تعالى: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }[الفرقان:70].

ومن صدق التوبة أن تقوم بالإقلاع عن المعصية، والعزم على عدم العودة إليها، والندم على فعلها، وتُعرض عن رفقة السوء الذين كانوا سبَّبُوا لك هذا الشر، وانظر عافاك الله كيف جرَّت المعصية إلى صاحبها معاصي أخرى، بدأت بالنظر إلى المشاهد المثيرة المحرمة، ثم إِلفها، ثم الوقوع في معصية أخرى وهي العادة السرية التي نص الفقهاء على تحريمها.

الأخ الكريم: اعلم أن البصر وكذلك سائر جوارح البدن وأعضائه أمانة، ونعمة عظيمة استودعها الله العبد لتعينه على عبادة الله، وعلى قضاء شؤون معاشه، لا لتكون أداة معصية العبد لربه، قال تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً }[الإسراء:36]

وحق النعمة إدامة الشكر عليها بطاعة الله، فليراع شكر هذه النعمة فلا يستعملها في معاصي الله، فإنَّ من تمام شكر الله أن تُستخدم هذه الجوارح في مرضاة الله، فإذا أعرض العبد وصرف بصره وجوارحه عن معصية الله أورثه الله حلاوة يجدها في قلبه.

قال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير: (والغضُّ عن المحارم يوجب حلاوة الإيمان، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، ومن أطلق لحظاته دامت حسراته فإن النظر يولد المحبة في القلب ثم تقوى فتصير صبابة ينصب إليه القلب بكليته فيصير غراماً يلزم القلب كلزوم الغريم ثم يقوى فيصير عشقاً، وهو الحب المفرط، ثم يقوى فيصير شغفاً وهو الحب الذي وصل إلى شغاف القلب ودواخله، ثم يقوى فيصير تتيماً.اهـ.).

وهناك بعض الأسباب يعين أداؤها على غض البصر، ومنها: الاستعانة بالله تعالى حتى يعينك على نفسك وشهواتك، واستشعار مراقبة الله لك، وأنه مطلع على سرك وعلانيتك، وكان من كلام بعضهم ما أخرجه أبو نعيم في الحلية عن وهيب بن الورد أنه قال: اتَّقِ الله أنْ يكونَ أهونَ الناظرين إليك.

وقال الحارث المحاسبي: المراقبة: (علم القلب بقرب الرب، كلما قويت المعرفة بالله قوي الحياء من قربه ونظره.اهـ.) والابتعاد عن رفقاء السوء الذين يدلُّون على الشر ويعينون عليه، والمحافظة على فعل الطاعات والإكثار من القربات، خاصة صلاة الجماعة، وقيام الليل ولو ركعتين، والاستغفار، والذكر، والصدقة ولو يسيرة، فإن  فعل الطاعة ينهى عن الآثام والمعاصي؛ قال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ }[العنكبوت:45]، والحرص على الصحبة الصالحة الذين يَنْهَضُك حالهم، ويدلك على الله مقالهم، والله الموفق.

  • والخلاصة

    الأمر يتطلب منك أن تصدق الله تعالى في التوبة إليه، وتقلع عن ارتكاب المعاصي، وتُعرض عن رفقة السوء الذين سبَّبُوا لك هذا الشر، وتُقبل على طاعة الله، فالله تعالى أشد فرحاً بك منك إذا عدتَّ إليه، واحرص على الأسباب التي تعينك على حفظ بصرك عن الحرام كما سبق، والله الموفق.