عنوان الفتوى: المجتهد والمقلد

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

سمعت بأنه لا يجوز الاحتجاج بأقوال العلماء إلا بدليل، لكن العلماء الحقيقيين لا يمكن أن يأتوا بشيء من عندهم، ما رأيكم بهذا الكلام؟ وهل يمكن أن يكون صحيحاً بحجة إمكانية كون ذاك العالم استعمل القياس لأنه لم يبلغه الدليل؟ أرجو التوضيح.

نص الجواب

رقم الفتوى

10721

27-يوليه-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فالحجة التي يجب العمل بها منحصرة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم  والأدلة المجمع عليها كالإجماع والقياس؛ والمختلف فيها كقول الصحابي الذي لم يعرف له مخالف، والمصلحة المرسلة وسد الذرائع وغير ذلك تابعة لهما وراجعة إليهما، والناس في معرفة الحجة من الكتاب والسنة وما إليهما من الأدلة على قسمين:

الأول: أئمة مجتهدون درسوا تفسير كتاب الله وشرح سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة وأصول الفقه وعلوم اللغة العربية وغير ذلك من العلوم التي لا بد منها لمن يريد معرفة حكم الله واستخراجه من الكتاب والسنة بنفسه، وكل مجتهد منهم يجب عليه أن يعمل بما أوصله إليه اجتهاده، وهو إما مصيب فله أجران، أو مخطئ فله أجر، لما في الصحيحين عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ".

القسم الثاني: ليسوا مجتهدين فالواجب عليهم سؤال المجتهدين، والعمل بما أفتوهم به لقول الله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}[النحل:43]، ولقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ}[النساء:83].

فأمر الله تعالى لهم بالسؤال وقوله: {لعلمه الذين يستبطونه منهم} دليلان واضحان على أنه ليس لكل أحد استخراج الحكم من الكتاب والسنة بنفسه بل لا يجوز ذلك إلا للمتأهل الذي درس وشهد له من قبله من أهل العلم من مشايخه بأنه صار أهلاً لاستنباط الأحكام والقيام بالفتوى، وهذا الصنف تكون أقوال العلماء المجتهدين في حقه حجة يجب أن يأخذ بها ويعمل وفقها، ولا يقول: أنا لا آخذ أقوالهم إلا بدليل؛ لأنه لا يدرك الدليل ولا يفهمه على وجهه الصحيح، ولذلك قال العلامة الأصولي الشاطبي رحمه الله في الموافقات:

(فتاوى المجتهدين بالنسبة إلى العوام كالأدلة الشرعية بالنسبة إلى المجتهدين، والدليل عليه أن وجود الأدلة بالنسبة إلى المقلدين وعدمها سواء؛ إذ كانوا لا يستفيدون منها شيئاً؛ فليس النظر في الأدلة والاستنباط من شأنهم، ولا يجوز ذلك لهم البتة وقد قال تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}[النحل: 43]، والمقلد غير عالم؛ فلا يصح له إلا سؤال أهل الذكر، وإليهم مرجعه في أحكام الدين على الإطلاق، فهم إذن القائمون له مقام الشارع، وأقوالهم قائمة مقام أقوال الشارع. اهـ.)، ولعلنا بهذا نكون قد أوضحنا المسألة إن شاء الله تعالى.

  • والخلاصة

    أقوال المجتهدين من العلماء مأخوذة من الكتاب والسنة، ولكنها ليست حجة في ذاتها ولكنها حجة عليه وعلى من سأله من عامة الناس، وليس للعامي أن يقول: أنا لا آخذ بقول العالم إلا بدليل لأنه لا يدرك الدليل ولا يفهمه على وجهه الصحيح، وأما المجتهدون فليست أقوالهم بعضهم حجة على بعض بل كل واحد يجب أن يعمل بما أوصله إليه اجتهاده، والله أعلم.