عنوان الفتوى: أثر المعصية على الأبدان

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

كنت أمارس العادة السرية لمدة طويلة حتى أصبت بالبرود والعجز الجنسي ثم جاءني الاكتئاب والقلق النفسي، هل هذا غضب من الله وأنا مطرود من رحمته؟

نص الجواب

رقم الفتوى

10646

09-مايو-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ السائل على سؤالك، ونسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يعافيك مما أنت فيه، وإننا نحمد فيك يقظة قلبك التي حركت مكامن الإيمان عندك، والحرص على إرضاء الله تعالى، فأنت بخير ما دمت ترجو رحمة الله، وتخشى غضبه.

واعلم رعاك الله أخي السائل أن كل ما وقع منك من الذنوب لا يعني هذا أنك مطرود من رحمة الله تعالى، ولكن لعل ما حدث عقوبة دنيوية لارتكاب المعصية، ومع هذا فالله تعالى قادر على أن يرفع عنك البلاء، وأن تعود صحيحاً أفضل ما كنتَ، ولكن الأمر يتطلب أن تصدق الله تعالى في التوبة إليه، وتقلع عن ارتكاب المعاصي، وتقبل على طاعة الله، فالله تعالى أشد فرحاً بك منك إذا عدتَّ إليه، بل هو الذي يتودد إليك ويتحبب إليك، ويبسط لك يده بالليل والنهار حتى تعود إليه، فاصدق الله في التوبة إليه، فالله تعالى يكفر السيئات بالتوبة الصادقة، بل تتحول سيئات العبد إلى حسنات بالتوبة الصادقة، كما قال تعالى: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }[الفرقان:70].

وحتى يكون لك ولنا عبرة فيما حدث فاسمح لنا أن نضع بين يديك بعضاً من آثار المعصية، حتى يكون في ذكرها ردعاً لأنفسنا من مخالفة أمر الله تعالى، فللمعصية من الآثار المذمومة والقبيحة على القلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله، فهي بالجملة تمحق بركة الدين والدنيا.

فمن شؤمها أنها تمحق بركة العمر والرزق والعلم والعمل والطاعة، ومن عقوباتها أنها تزيل النعم الحاضرة وتقطع النعم الواصلة فتزيل الحاصل وتمنع الواصل، روى الإمام أحمد عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ"، ومن شؤمها أنها تورث ضيق الصدر وحصول الهمِّ والغمِّ والوحشة والاكتئاب، وتضعف البدن وتوهن جوارحه وأركانه، في حين أن أداء الطاعات يورث القوة في البدن، والبركة فيه، وتحفظه من الأمراض والآفات، حتى يتمكن من القيام بشؤون حياته، ويقوى على التمتع بالحلال.

قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله في جامع العلوم والحكم عند شرح حديث"احفظ الله يحفظك": وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان: أحدهما: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله، قال الله عز وجل: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ}[الرعد:11]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم الملائكة يحفظونَهُ بأمرِ الله، فإذا جاء القدر خَلُّوْا عنه... ومَنْ حَفِظَ الله في صباه وقوَّته، حفظه الله في حال كبَره وضعفِ قوّته، ومتَّعه بسمعه وبصره وحولِه وقوَّته وعقله، كان بعض العلماء قد جاوز المئة سنة وهو ممتَّعٌ بقوَّتِه وعقله، فوثب يوماً وثبةً شديدةً، فعُوتِبَ في ذلك، فقال: هذه جوارحُ حفظناها عَنِ المعاصي في الصِّغر، فحفظها الله علينا في الكبر." .اهـ

الأخ الكريم: استعمل بدنك فيما يرضي ربك، فاذكر الله بلسانك، وأطعه بجوارحك، وكما انشغلت سابقاً عنه فانشغل الآن به، وأقبل عليه حتى يقبل عليك، وعمِّر حياتك وأنفاسك به تعالى، وبمجالسة العلماء والصالحين، ومن يعينك على طاعة الله، وأبشر بالخير ما دمت على ذلك، كما ننصحك أن تتوجه بطلب العلاج إلى بعض الأطباء المختصين، فالله تعالى ما أنزل داءاً إلا أنزل له شفاء، وأمر شفائك ممكن جداً بإذن الله تعالى، أعانك الله ورعاك، ومما أنت فيه من ابتلاء عافاك، شرح الله صدرك، وأذهب غمك، وقضى حوائجك، وحقق رجاءك، والله الموفق.

  • والخلاصة

    الأخ الكريم: لا يعني هذا أنك مطرود من رحمة الله تعالى، بل أنت على خير ما دمت حريصاً على رضا الله، ترجو رحمته، وتخشى غضبه، ومع هذا فالله تعالى قادر على أن يرفع عنك البلاء، وأن تعود صحيحاً أفضل ما كنتَ، إذا ما عدتَّ إليه وصدقته في التوبة، فانشغل الآن به، وأقبل عليه حتى يقبل عليك، وعمِّر حياتك وأنفاسك به تعالى، وبمجالسة العلماء والصالحين، ومن يعينك على طاعة الله، وأبشر بالخير ما دمت على ذلك، والله الموفق.