عنوان الفتوى: تفسير قوله تعالى: { إلا ما قد سلف}.

  • a middle
  • a small
  • print
  • favorite
  • email

ما المقصود بقوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا} صدق الله العلي العظيم[سورة النساء الآية:22]، الرجاء إعطائي المعنى المقصود من كلمة ما سلف، هل تعني ما سلف الإسلام؟ أم ماذا؟

نص الجواب

رقم الفتوى

10232

18-أبريل-2010

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فجزاك الله خيراً أيها الأخ السائل على سؤالك، وزادك حرصاً، وبارك فيك.

وقد كانوا في الجاهلية بعدما يموت الرجل يتزوج ابنه امرأة أبيه، فَُحَرَّم الله تعالى زوجات الآباء على الأبناء تكرمة وإعظاماً واحتراماً للآباء، وأنزل الله تعالى قوله: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً }،[النساء:22]، أي: لكن ما سلف قبل التحريم فلا جناح عليكم، ولا إثم عليكم فيه، ولا تؤاخذون به، وليس معنى هذا أنه وافقهم على ما تمَّ قبل ذلك ولا زال سارياً من نكاح الأبناء لزوجات الآباء، بل أمر الإسلام بِفسخه، وهذه طائفة من أقوال العلماء:

قال شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله: قد ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا يَخْلُفُون على حلائل آبائهم، فجاء الإسلام وهم على ذلك، فحرّم الله تبارك وتعالى عليهم المُقام عليهن، وعفا لهم عما كان سلف منهم في جاهليتهم وشِرْكهم من فعل ذلك، لم يؤاخذهم به، إن هم اتقوا الله في إسلامهم وأطاعوه فيه.اهـ

وقال العلامة النفراوي المالكي رحمه الله في الفواكه الدواني: (إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) أَيْ وَقَعَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَفَسَخَهُ الْإِسْلَامُ فَلَا يُؤَاخَذُ فَاعِلُهُ بِهِ لِأَنَّهُ يُغْفَرُ بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، قَالَ تَعَالَى: {إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْآيَةِ مُنْقَطِعٌ، وَالْمَعْنَى: لَكِنْ مَا قَدْ سَلَفَ لَا إثْمَ فِيهِ.اهـ

وقال الإمام السرخسي الحنفي رحمه الله في المبسوط: وقَوْله تَعَالَى: { إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} مَعْنَاهُ: أَنَّ مَا قَدْ سَلَفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّكُمْ لَا تُؤَاخَذُونَ بِذَلِكَ إذَا خَلَّيْتُمْ سَبِيلَهُنَّ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْحُرْمَة. اهـ.

وقال الإمام الشافعي رحمه الله في أحكام القرآن: كَانَ أَكْبَرُ وَلَدِ الرَّجُلِ يَخْلُفُ عَلَى امْرَأَةِ أَبِيهِ وَكَانَ الرَّجُلُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، فَنَهَى اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ أَحَدٌ: يَجْمَعُ فِي عُمْرِهِ بَيْنَ أُخْتَيْنِ، أَوْ يَنْكِحَ مَا نَكَحَ أَبَاهُ؛ إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِتَحْرِيمِهِ، لَيْسَ أَنَّهُ أَقَرَّ فِي أَيْدِيهِمْ مَا كَانُوا قَدْ جَمَعُوا بَيْنَهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، [كَمَا أَقَرَّهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نِكَاحِ الْجَاهِلِيَّةِ: الَّذِي لَا يَحِلُّ فِي الْإِسْلَامِ بِحَالٍ].اهـ،  وثمَّ أقوال أخرى، وما ذكرناه هو أظهر الأقوال، وهو الذي اختاره أكثر العلماء، والله أعلم.

  • والخلاصة

    أظهر الأقوال الذي اختاره أكثر العلماء أن معنى (سلف) أي: قبل تحريمه فلا جناح عليكم، ولا إثم عليكم فيه، ولا تؤاخذون به، وليس معنى هذا أنه وافقهم على ما تمَّ قبل ذلك ولا زال سارياً من نكاح الأبناء لزوجات الآباء، بل أمر الإسلام بِفسخه، والله أعلم.